بقلم: علي محيدلي
أظهر استطلاع نشرته صحيفة «معاريف» تقدّم تحالف ياشار–أيزنكوت على الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، في نتيجة تعكس تغيّراً مهماً في المزاج السياسي الإسرائيلي قبل الانتخابات.
وبحسب الاستطلاع، يحصل ياشار–أيزنكوت على 25 مقعداً مقابل 19 مقعداً لليكود، فيما تحصل المعارضة على 58 مقعداً مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، إضافة إلى 12 مقعداً للأحزاب العربية.
لكن ماذا يعني صعود غادي أيزنكوت بالنسبة إلى لبنان، وخصوصاً الجنوب والمناطق التي لا تزال إسرائيل تحتلها؟
أيزنكوت ليس «حمامة» تجاه لبنان
من الخطأ اعتبار تقدّم أيزنكوت على نتنياهو مؤشراً تلقائياً إلى سياسة إسرائيلية أكثر ليونة تجاه لبنان.
أيزنكوت هو قائد عسكري سابق ورئيس أركان سابق للجيش الإسرائيلي، وبالتالي فإن مقاربته للبنان تنطلق أساساً من الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
أحد أبرز ثوابته هو ضرورة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية بالقرب من الحدود، إضافة إلى الدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
لذلك، فإن وصوله إلى رئاسة الحكومة لن يعني بالضرورة نهاية الضغط العسكري الإسرائيلي على لبنان، بل قد يعني انتقاله إلى إدارة أكثر تنظيماً وأقل ارتباطاً بحسابات نتنياهو السياسية والشخصية.
ماذا عن الجنوب والمناطق المحتلة؟
الوقائع: إسرائيل تربط وجودها العسكري في عدد من النقاط الجنوبية بالاعتبارات الأمنية وبمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته، بينما يطالب لبنان بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها وبتطبيق التفاهمات والقرارات المتعلقة بالحدود.
الاحتمال في حال وصول أيزنكوت: من المرجح أن يتعامل أيزنكوت مع الانسحاب الإسرائيلي باعتباره جزءاً من ترتيبات أمنية أوسع، وليس كخطوة منفصلة.
وهذا يعني أن إسرائيل قد تطالب بضمانات تتعلق بانتشار الجيش اللبناني، ومنع إعادة انتشار حزب الله جنوباً، وآليات مراقبة الحدود، قبل تنفيذ أي انسحاب كامل.
وبالتالي، قد نشهد في عهده مفاوضات أكثر جدية حول الجنوب، لكن ليس بالضرورة انسحاباً إسرائيلياً سريعاً.
هل يتغير التعامل مع النبطية؟
النبطية قد تكون من أكثر المناطق تأثراً بأي تغيير في السياسة الإسرائيلية.
إذا اختار أيزنكوت إعطاء الأولوية للمسار السياسي، فقد ينخفض مستوى التصعيد المباشر في بعض المناطق، خصوصاً إذا حصل تقدم في ترتيبات أمنية مع الدولة اللبنانية.
لكن في المقابل، إذا اعتبرت إسرائيل أن حزب الله يعيد بناء قدراته في محيط النبطية أو جنوب الليطاني، فمن غير المرجح أن يتردد أيزنكوت في استخدام القوة.
بمعنى آخر، النبطية لن تصبح تلقائياً خارج دائرة الاستهداف مع تغيير رئيس الحكومة الإسرائيلي. العامل الحاسم سيكون مستوى النشاط العسكري لحزب الله ومدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها.
أين يختلف أيزنكوت عن نتنياهو؟
الفرق المحتمل ليس في رفض التهديد العسكري، بل في طريقة إدارته.
نتنياهو خاض الحرب في لبنان ضمن سياق سياسي إسرائيلي داخلي شديد التعقيد، ويستخدم الملف الأمني أيضاً في معركته السياسية.
أما أيزنكوت، فمن المتوقع أن يحاول تقديم نفسه باعتباره قائداً أكثر تركيزاً على المؤسسة العسكرية والأمن القومي وعلى تحقيق أهداف محددة، بدلاً من إدارة الحرب كملف سياسي مفتوح.
وهذا قد يفتح الباب أمام مفاوضات أكثر انتظاماً مع الدولة اللبنانية عبر الوسيط الأميركي، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الضغط العسكري.
ماذا يعني تقدمه على نتنياهو؟
إذا استمر أيزنكوت في التقدم حتى الانتخابات وتمكن من تشكيل حكومة، فقد يدخل لبنان مرحلة مختلفة نسبياً.
قد نشهد ضغطاً أكبر على الدولة اللبنانية لضبط السلاح جنوباً، ومفاوضات أكثر جدية حول الحدود والانسحاب الإسرائيلي، ومحاولة لتثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود.
وفي المقابل، من المرجح أن تستمر الضربات الإسرائيلية إذا اعتبرت تل أبيب أن حزب الله يعيد بناء قدراته.
لكن الأهم أن تغيير رئيس الحكومة لا يعني تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
أيزنكوت قد يكون أكثر استعداداً للتفاوض مع الدولة اللبنانية وأكثر انفتاحاً على الوساطة الأميركية، لكنه في الوقت نفسه سيضع الأمن الإسرائيلي ومنع إعادة بناء قدرات حزب الله في مقدمة أولوياته.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية في حال فوزه ليس «السلام مع لبنان»، بل مقايضة أمنية محتملة: انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل ترتيبات أمنية لبنانية أكثر تشدداً في الجنوب.
أما إذا فشلت هذه الترتيبات، فمن الصعب توقع أن يتخلى أيزنكوت عن الخيار العسكري.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه أمام لبنان لن يكون فقط: هل سيخسر نتنياهو الانتخابات؟
بل: هل يستطيع أيزنكوت تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي في الجنوب إلى اتفاق سياسي يسمح بانسحاب إسرائيل، أم سيستمر الاحتلال تحت عنوان الأمن حتى بعد تغيير نتنياهو؟

