تدخل «الحالة الشيعية» في لبنان واحدة من أدق مراحلها منذ عقود، وسط تحولات داخلية وإقليمية تضع مستقبل الثنائي الشيعي ودور «حزب الله» وسلاحه أمام أسئلة غير مسبوقة، بالتوازي مع تمايز متزايد في مقاربة رئيس مجلس النواب نبيه بري للمرحلة المقبلة.
وتقول أوساط سياسية متابعة إن اغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله، وما تلاه من استنزاف للحزب وتراجع لمحور إيران إقليمياً، أنهى عملياً مرحلة سياسية كاملة، فيما باتت البيئة الشيعية أمام تحدي إعادة تحديد موقعها داخل الدولة في حال الانتقال إلى مرحلة تكون فيها حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية عنواناً لأي تسوية جديدة.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن بري يعتمد براغماتية متزايدة في التعامل مع التطورات، ظهرت في عدم الذهاب نحو إسقاط الحكومة، وفي مقاربته لملف حصرية السلاح، إضافة إلى انفتاحه على استعادة العلاقات مع السعودية. إلا أن هذا التمايز لا يعني حتى الآن قطيعة مع «حزب الله»، بل يمكن اختصاره بمعادلة: الاختلاف مسموح، الافتراق ممكن، لكن الصدام ممنوع.
في المقابل، يواجه «حزب الله» مأزقاً سياسياً واستراتيجياً مع تراجع قدرته على فرض قواعد اشتباك جديدة، وانحسار الغطاء الداخلي الذي كان يحظى به سلاحه، ما يدفعه، وفق الأوساط نفسها، إلى الرهان على الوقت وانتظار تبدلات إقليمية، ولا سيما في مسار العلاقة الأميركية ـ الإيرانية.
لكن الأخطر يدور خلف الكواليس. إذ تكشف مصادر سياسية عن نقاشات محدودة داخل أوساط قريبة من «الثنائي» حول الثمن السياسي الذي يمكن أن يحصل عليه الشيعة مقابل أي تنازل استراتيجي في ملف السلاح.
ومن بين الأفكار المتداولة، وإن بصورة غير رسمية، صيغة يطلق عليها البعض تسمية «دوحة بلاس»، تقوم على إعادة البحث في توزيع بعض مواقع السلطة والمراكز السيادية، وصولاً إلى أفكار تتصل بالمداورة في الرئاسات الثلاث وإعادة هيكلة التوازنات داخل الدولة.
غير أن هذه الطروحات تصطدم، بحسب المعطيات، بموقف سعودي لا يبدو متحمساً لإعادة فتح معادلة توزيع السلطة أو إنتاج «طائف جديد»، إذ تتمسك الرياض بإعادة تفعيل اتفاق الطائف وتنفيذه باعتباره الإطار الأنسب لمعالجة الخلل اللبناني.
وعليه، قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة فقط: ماذا سيحل بسلاح «حزب الله»؟ بل أيضاً: ما موقع الشيعة في لبنان ما بعد السلاح، وهل تتحول التسوية من نزع امتياز عسكري إلى مفاوضات على توازن سياسي جديد داخل الدولة؟

