«التضخم المدولر» يضغط على اللبنانيين… الـ100 دولار لم تعد كما كانت
تتزايد الضغوط على ميزانيات الأسر اللبنانية مع استمرار ارتفاع كلفة المعيشة، في ظاهرة باتت تُعرف بـ«تآكل القوة الشرائية للدولار» أو «التضخم المدولر»، إذ لم يؤدِّ استقرار سعر صرف الليرة وانتشار التعامل بالدولار النقدي إلى استقرار الأسعار، بل واصلت السلع والخدمات ارتفاعها بصورة أثقلت كاهل المواطنين.
وتظهر المفارقة بوضوح في القدرة الشرائية لمئة دولار. فالمبلغ الذي كان يؤمّن جزءاً مهماً من احتياجات الأسرة في بداية الأزمة، بات اليوم يُستهلك سريعاً في شراء الضروريات. وتشير محاكاة تستند إلى متوسط الأسعار المتداولة في الأسواق إلى أن سلة غذائية ومنزلية أساسية لأسرة صغيرة قد تستهلك ما بين 90 و100 دولار، من دون أن تشمل الكهرباء والمولدات والمحروقات والاتصالات والأدوية والنفقات الطارئة.
ويعزو أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة هذا الواقع إلى مجموعة عوامل تراكمت منذ بداية الأزمة، أبرزها رفع الدعم عن المحروقات والأدوية والسلع الأساسية، ودولرة الضرائب والرسوم الجمركية والخدمات العامة، إلى جانب انهيار عدد من الخدمات الأساسية وتحميل المواطن والقطاع الخاص كلفة بدائلها، وفي مقدمتها المولدات الخاصة والمياه والنفقات التشغيلية.
ويضاف إلى ذلك تأثير التضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين واضطراب سلاسل التوريد، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة على لبنان نظراً إلى اعتماده الكبير على الاستيراد، بالتوازي مع ضعف الرقابة على الأسواق وارتفاع هوامش الأرباح للتحوط من المخاطر.
وبحسب عجاقة، فقدت المئة دولار ما بين 40 و60 في المئة من قدرتها الشرائية الحقيقية داخل السوق اللبنانية مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة، ما يعني أن المشكلة لم تعد محصورة بمن يتقاضون رواتبهم بالليرة، بل امتدت إلى الأسر التي تحصل على مداخيل بالدولار أو تعتمد على التحويلات المالية من الخارج.
ويترجم هذا الواقع اجتماعياً بتراجع إضافي في مستوى معيشة اللبنانيين وانزلاق شرائح من الطبقة الوسطى نحو الفقر، مع اعتماد الأسر نمطاً استهلاكياً أكثر تقشفاً يقوم على حصر الإنفاق بالغذاء والطاقة والدواء وتأجيل الاحتياجات غير الأساسية.
أما اقتصادياً، فتتجاوز تداعيات «التضخم المدولر» ميزانيات الأسر لتطال القطاعات الإنتاجية، إذ يؤدي ارتفاع كلفة التشغيل إلى إضعاف تنافسية الصناعة والزراعة، بالتوازي مع انكماش النشاط في القطاعات غير الأساسية وتعاظم اقتصاد «الكاش» خارج المنظومتين المصرفية والضريبية.
وبذلك يجد لبنان نفسه أمام معادلة اقتصادية شديدة التعقيد: عملة وطنية فقدت جانباً كبيراً من قيمتها، ودولار يفقد بدوره جزءاً متزايداً من قوته الشرائية داخل السوق المحلية، فيما تتحول كلفة المعيشة إلى العبء الأكبر على الأسر حتى في ظل الاستقرار النسبي لسعر الصرف.

