تكشف معلومات خاصة أن ملف مستقبل سوق النقل الجوي في لبنان دخل مرحلة جديدة مع انتهاء الحصرية التاريخية لشركة طيران الشرق الأوسط (MEA)، وسط نقاش حول فتح المجال أمام منافسة فعلية على عدد من الخطوط من بيروت وإليها، ومنع تحوّل انتهاء الحصرية قانونياً إلى استمرار للاحتكار عملياً.
وبحسب المعلومات، فإن جوهر النقاش لم يعد يتعلق بموقع MEA كناقل وطني، وهو موقع لا يبدو مطروحاً للمساس به، بل بالقواعد التي ستُدار على أساسها السوق بعد انتهاء الحصرية: هل تُفتح أمام شركات جديدة وفق شروط تنافسية واضحة، أم تبقى القيود المفروضة على دخول المنافسين كفيلة بالحفاظ على الأمر الواقع؟
وهنا تكمن أهمية الملف.
فانتهاء الحصرية لا يعني بالضرورة انتهاء الاحتكار. إذ يمكن لأي سوق أن تبقى شديدة التركّز حتى بعد سقوط الامتياز القانوني، إذا بقي دخول المنافسين صعباً أو إذا استمرت القيود على الخطوط والرحلات والتراخيص.
وتشير القراءة الاقتصادية للملف إلى أن فتح المنافسة لا يستهدف MEA، بل يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء قطاع الطيران على معادلة مختلفة: ناقل وطني قوي من جهة، وسوق تنافسية من جهة أخرى.
فالهدف ليس استبدال MEA، وإنما منع احتكار الوصول إلى لبنان.
وتكتسب القضية بعداً اقتصادياً أكبر لأن أسعار تذاكر السفر لا تؤثر فقط على المسافرين، بل على القدرة السياحية للبنان بأكملها. فكل سائح يعدل عن بيروت لمصلحة تركيا أو قبرص أو اليونان أو مصر بسبب فارق كبير في كلفة السفر، لا يعني خسارة مقعد على الطائرة فحسب، بل خسارة إنفاق محتمل في الفنادق والمطاعم والنقل والتسوق والترفيه والخدمات.
وبالتالي، فإن حماية مستوى مرتفع من الأسعار عبر الحد من المنافسة قد تحمي إيرادات داخل قطاع الطيران، لكنها في المقابل قد تحرم قطاعات اقتصادية أخرى من إيرادات أكبر بكثير.
وهنا يبرز السؤال الذي سيواجه الدولة في المرحلة المقبلة:
هل تتعامل مع الأجواء اللبنانية باعتبارها سوقاً يجب حمايتها لمصلحة شركة واحدة، أم باعتبارها بوابة اقتصادية يجب استخدامها لجذب أكبر عدد ممكن من الزوار والاستثمارات والإنفاق إلى لبنان؟
المعادلة الجديدة لا تتطلب إضعاف MEA. على العكس، يمكن أن تبقى الشركة ركناً أساسياً في قطاع الطيران اللبناني، لكن ضمن سوق تُحدد فيها القوة بالحصة التي تكسبها الشركة عبر السعر والخدمة والكفاءة، لا بالحصة التي يضمنها غياب المنافسين.
المعركة الحقيقية تبدأ الآن
انتهاء الحصرية ليس نهاية الملف، بل بدايته.
فالمسألة التي تستحق المتابعة في المرحلة المقبلة هي من سيُسمح له بالدخول إلى السوق اللبنانية، وعلى أي خطوط، وبأي شروط، وهل ستُفتح الأجواء فعلاً أمام المنافسة أم سيعاد إنتاج الاحتكار بصيغة جديدة؟
وهنا تحديداً سيكون الاختبار.
لأن كسر الاحتكار لا يحصل بانتهاء نص قانوني فقط، بل عندما يصبح لدى المسافر الذي يريد الوصول إلى بيروت أكثر من خيار حقيقي، وأكثر من سعر، وأكثر من شركة تتنافس عليه.

