الانهيار المالي في لبنان: أزمة نظامية؟
بقلم كاتب سيادي
في الآونة الأخيرة، بتنا نسمع أصواتا متزايدة، بعضها معروف في الأوساط المالية أو السياسية بما يضفي عليها ظاهريا شيئا من المصداقية، تُستضاف على وسائل الإعلام برسالة واحدة متشابهة إلى حد لافت، وكأنها منسقة: إعادة توصيف الانهيار المالي في لبنان كـ”أزمة نظامية“ بهدف تمييع أو تأجيل أو تفادي مسار المحاسبة.
وصف الانهيار المالي في لبنان بأنه ”أزمة نظامية“ لا يمكن أن يتحول إلى درع قانوني أو أخلاقي لإعفاء المصارف من المسؤولية.
نعم، الأزمة أصبحت نظامية في نتائجها. ضربت العملة، المصارف، الائتمان، المدفوعات، المدخرات، والثقة بالاقتصاد. لكنها لم تكن كارثة طبيعية. لم تكن زلزالا. لم تكن قوة قاهرة خارجة عن إرادة الجميع.
كانت انهيارا نظاميا مصنوعا، نتج عن سنوات من السياسات المالية العشوائية، والهندسات المالية، وتوظيفات المصارف المفرطة لدى الدولة ومصرف لبنان، وضعف الرقابة، وغياب الحوكمة، وتضارب المصالح، وانتفاع أطراف كانت تعلم أو كان يفترض بها أن تعلم حجم المخاطر أكثر بكثير من المودع العادي.
أغلبية المصارف لم تكن متفرجة بريئة. جذبت الودائع، وظفت أموال المودعين بكثافة لدى مصرف لبنان وفي أدوات الدين، استفادت من الفوائد المرتفعة والهندسات المالية، واستمرت في نموذج يثير، على الأقل، شبهات جدية تتعلق بسوء الإدارة، والإخلال بواجبات الأمانة والحيطة، والممارسات التعسفية، والمعاملة التفضيلية، وربما المشاركة في بنية مالية مدمرة.
أما ما إذا كانت بعض هذه الممارسات ترقى قانونا إلى احتيال، أو إثراء غير مشروع، أو تحويلات غير قانونية، أو تلاعب، أو استفادة من معلومات داخلية، أو مشاركة في نموذج شبيه بالبونزي، فهذا يجب أن يثبت من خلال تدقيق جنائي شامل وتحقيق قضائي مستقل. لكن ما لا يجوز قبوله هو استعمال كلمة ”نظامية“ لشطب المسؤوليات.
المودع لم يصمم الهندسات المالية.المودع لم يقرر تركيز توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان.المودع لم يوافق على التحويلات الانتقائية إلى الخارج. المودع لم يقرر السحوبات التفضيلية، ولا إخفاء الخسائر، ولا توزيع الأرباح، ولا تسوية قروض كبرى بشروط غير عادلة. المودع لم يكن عضوا في مجلس إدارة، ولا مدققا، ولا ناظما، ولا صاحب قرار.
المودع سلّم أمواله إلى المصرف ضمن علاقة قانونية قائمة على الثقة والحفظ والرد.
بعد سبع سنوات، لم تحصل أي محاسبة جدية. أموال المودعين لا تزال محتجزة، جامدة، وتتآكل. الرسوم المصرفية الباهظة تنقص الأرصدة شهرا بعد شهر. التضخم التهم جزءا كبيرا من القيمة الفعلية للودائع. وغياب الحل العادل أصبح بحد ذاته مصادرة ثانية.
األزمة النظامية قد تحتاج إلى معالجة نظامية. لكن المعالجة النظامية ال تعني عفوا جماعيا لمن استفاد، وال عقابا جماعيا لمن وثق بالنظام.
البداية يجب أن تكون واضحة: التدقيق الجنائي أولا
تحديد المسؤوليات أولا. استرداد الأموال غير المشروعة والمكاسب التفضيلية أولا. محاسبة مجالس الإدارة، والإدارات
التنفيذية، والمدققين، والرقابة، وأصحاب النفوذ السياسي والمالي أولا. بعد ذلك فقط يمكن البحث في أي توزيع عادل للخسائر.
أزمة لبنان كانت نظامية في حجمها، لكنها قائمة على أخطاء ومسؤوليات في أصلها. استعمال عبارة ”الأزمة النظامية“ يجب أن يوضح المسؤولية، لا أن يمحوها.
كما أن الرئاسات الثالث في لبنان تتحمل مسؤولية وطنية مباشرة في دفع هذا الملف بقوة ومن دون مواربة، ألن استمرار صمتها أمام مصادرة أموال المودعين منذ سبع سنوات ليس حيادًا، بل صمت مدوّ.
بقلم كاتب سيادي

