بقلم د. ميراي زيادة
في الشرق الأوسط، لا تأتي التسويات الكبرى فجأة، بل تبدأ دائماً من لحظة تعب استراتيجي متبادل، حين تدرك القوى المتصارعة أن كلفة الانفجار أصبحت أعلى من كلفة التفاوض.
هذا تماماً ما تعكسه التسريبات الأخيرة حول مسودة التفاهم الأميركي ـ الإيراني التي يجري العمل عليها بعيداً من الأضواء.
المسألة لا تتعلق فقط بوقف تصعيد عسكري أو بفتح مضيق هرمز، بل بمحاولة إعادة تنظيم المرحلة المقبلة في المنطقة وفق توازنات جديدة تفرضها الحرب، الطاقة، الاقتصاد، والبرنامج النووي الإيراني.
المعطيات المسرّبة تشير إلى اتفاق مؤقت لمدة ستين يوماً، يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، تخفيفاً جزئياً للعقوبات، السماح لإيران ببيع النفط، وإطلاق مفاوضات حول تخصيب اليورانيوم ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
لكن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن واشنطن لا تسعى فقط إلى احتواء إيران، بل إلى منع انهيار إقليمي واسع قد يضرب الاقتصاد العالمي في لحظة حساسة دولياً.
إدارة ترامب تدرك أن أي مواجهة شاملة مع إيران ستؤدي إلى: ارتفاع كبير بأسعار النفط، اهتزاز الأسواق العالمية، توسّع الاشتباك الإقليمي، ودخول القوات الأميركية في استنزاف طويل ومكلف.
من هنا، تبدو أولوية واشنطن الحالية قائمة على “إدارة التوتر” لا “تفجير المواجهة”.
في المقابل، تدرك إيران أن الضغوط الاقتصادية وصلت إلى مرحلة تحتاج معها إلى متنفس مالي وسياسي. فتح الموانئ، بيع النفط، وتخفيف العقوبات ليست تفاصيل اقتصادية فقط، بل عناصر مرتبطة مباشرة باستقرار الداخل الإيراني وقدرة النظام على الصمود.
لكن النقطة المحورية تبقى الملف النووي.
التسريبات تتحدث عن استعداد إيراني للتفاوض حول تعليق تخصيب اليورانيوم والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أن هذه النقطة تحديداً ستكون معيار نجاح أو فشل الاتفاق.
لأن واشنطن تريد ضمانات قابلة للتحقق، فيما تحاول طهران الحفاظ على هامش سيادي واستراتيجي داخل برنامجها النووي.
أي أن الصراع الحقيقي لم يُحل بعد، بل انتقل من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض التقني والسياسي.
أما إسرائيل، فتبدو الأكثر حذراً من هذا المسار.
رئيس الوزراء نتنياهو يدرك أن أي اتفاق لا يقدّم حلاً واضحاً ونهائياً للبرنامج النووي الإيراني قد يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز موقعها الإقليمي.
ولهذا، فإن تل أبيب تنظر إلى التفاهم الحالي كمرحلة اختبار لا كتسوية نهائية.
اللافت أيضاً أن لبنان دخل مباشرة في قلب هذه التفاهمات.
اللافت أيضاً أن لبنان دخل مباشرة في قلب هذه التفاهمات.
المعلومات المسرّبة تتحدث عن إنهاء الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” ضمن إطار الاتفاق، ما يعني أن الجبهة اللبنانية أصبحت جزءاً من المقايضة الإقليمية الكبرى.
وهنا تظهر معادلة جديدة: استقرار الجنوب اللبناني بات مرتبطاً بمسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني أكثر من ارتباطه بالتوازنات اللبنانية الداخلية.
وهذا يضع الدولة اللبنانية أمام استحقاق بالغ الحساسية: هل تستطيع استثمار هذه المرحلة لإعادة تثبيت دور الدولة والمؤسسات؟ أم يبقى لبنان ساحة مرتبطة بتقلبات الصراع الإقليمي؟
المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة لا تتجه نحو سلام شامل بعد، بل نحو “مرحلة إدارة نزاعات” بضوابط جديدة.
فالقوات الأميركية ستبقى منتشرة في المنطقة، وإسرائيل ستبقى في حالة مراقبة، وإيران لن تقدم تنازلات مجانية، والملفات الأساسية ستبقى مفتوحة على تفاوض طويل ومعقد.
لذلك، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها: التفاوض تحت ميزان الردع، والتهدئة تحت سقف المصالح الاستراتيجية المتبادلة.

