بقلم د. ميراي زيادة
تحوّل ملف قانون العفو العام في لبنان من تسوية قضائية ـ سياسية إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية وتفجيراً للشارع، بعدما أشعلت الصيغة المقترحة موجة اعتراضات واسعة داخل السجون وخارجها، ووضعت القوى السياسية، ولا سيما النواب السنّة، تحت ضغط غير مسبوق.
اللجان النيابية المشتركة كانت قد أنجزت صيغة توافقية شبه نهائية لقانون العفو، تضمنت تعديلات واسعة على العقوبات، أبرزها:
تخفيض حكم الإعدام إلى 28 سنة سجنية،
تخفيض المؤبد إلى 18 سنة،
اعتبار الموقوفين غير المحكومين المستفيدين بعد 14 سنة توقيف،
تخفيض بعض العقوبات إلى الثلث،
اعتماد الحكم الأعلى في إدغام الأحكام مع منح القاضي حق الجمع بسقف ربع العقوبة الأشد،
والعفو عن التعاطي وترويج المخدرات غير المنظمة مع استثناء الترويج المنظم وتجارة المخدرات.
كما تم ربط الاستفادة من العفو بإسقاط الحق الشخصي، ما يعني أن أي محكوم لن يستفيد من القانون إذا لم يتنازل أصحاب الحقوق الشخصية عن دعاواهم.
لكن ما إن أُعلن عن التوافق النيابي الواسع حتى انفجر الشارع غضباً، في مشهد أعاد ملف الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة بقوة، وأشعل حالة من التوتر داخل السجون اللبنانية.
داخل ، شهدت العنابر حالة تمرّد وغليان واسعة، بعدما اعتبر عدد كبير من السجناء أن بند “إدغام الأحكام” يحرمهم فعلياً من الاستفادة الحقيقية من القانون، رغم كل الوعود السياسية والإعلامية التي رافقته.
وامتدت الاحتجاجات سريعاً إلى الشارع، حيث قطع أهالي الموقوفين ومتضامنون معهم طرقات رئيسية في بيروت وطرابلس وعرسال ومناطق أخرى، وسط تصاعد الخطاب الاحتجاجي للحركات الإسلامية.
وخلال اعتصام نظم في طرابلس، طالبت الحركات الإسلامية بأن يشمل العفو وجميع الموقوفين الإسلاميين “من دون استثناء”، ملوّحة بالنزول إلى الشارع والتصعيد.
وبحسب مصادر نيابية متابعة، فإن جوهر الاعتراض يتمحور حول بند إدغام الأحكام، الذي يمنع قسماً واسعاً من الإسلاميين من الاستفادة الفعلية من القانون، إضافة إلى إشكالية قانونية معقدة تتعلق بتصنيف الموقوفين.
فالقانون بصيغته الحالية يثير التباساً حول الأشخاص الذين لجأوا إلى تمييز الأحكام الصادرة بحقهم: هل يُعتبرون موقوفين أم محكومين؟
هذا الالتباس قد يحصر الاستفادة الفعلية بعدد محدود جداً، فيما تشير المعطيات إلى أن عدداً كبيراً من المحكومين الإسلاميين لن يستفيدوا إلا من تخفيض العقوبات، بينما تبقى أعداد أخرى عالقة بين المحاكمات المؤجلة والملفات غير المحسومة منذ أكثر من 14 عاماً.
وفي ما يتعلق بالشيخ أحمد الأسير، تشير المعطيات المتداولة إلى أنه إذا صدر بحقه حكم بالإعدام من المحكمة العسكرية، فلن يخرج قبل عام 2037، أما إذا بقي وضعه القانوني الحالي على حاله، فقد يخرج عام 2027، ما دفع بعض الأوساط إلى الحديث عن “فخ قانوني” داخل صيغة العفو المقترحة.
سياسياً، وضع هذا الملف النواب السنّة أمام اختبار بالغ الحساسية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الشعبية والدينية، حيث ينتظر عدد منهم موقف قبل حسم خياراتهم النهائية.
وتشير المعلومات إلى أن عدداً من النواب السنّة يدرسون سحب تواقيعهم من مشروع القانون بصيغته الحالية، معتبرين أن الصيغة المطروحة لا تحقق العدالة المطلوبة للموقوفين الإسلاميين.
وبحسب الأرقام المتداولة داخل اللجان، فإن نحو 2816 سجيناً قد يستفيدون مباشرة من العفو، إضافة إلى حوالي 310 مستفيدين من تخفيض العقوبات، فيما يقدّر العدد الإجمالي للمستفيدين بحوالي 3300 شخص، مقابل أكثر من 12000 مطلوب بمذكرات توقيف.
في المقابل، تؤكد المعطيات أن غالبية المحكومين في قضايا التفجيرات الإرهابية الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام لن يخرجوا قريباً، لأن معظم الجرائم المرتبطة بهم وقعت بعد عام 2014، ما يعني أنهم ما زالوا بحاجة إلى سنوات طويلة للاستفادة من التخفيضات المقترحة.
ومع تصاعد الغضب داخل السجون وفي الشارع، يبدو أن قانون العفو لم يعد مجرد ملف قضائي أو إنساني، بل تحوّل إلى مواجهة سياسية وطائفية مفتوحة بين السلطة والشارع، وبين من يعتبره مدخلاً لتخفيف الاحتقان داخل السجون، ومن يراه تسوية ناقصة تعيد إنتاج الظلم تحت عنوان العفو.

