spot_img
الثلاثاء, يوليو 21, 2026

هل خرج الوضع عن سيطرة بري؟

الرئيسيةاهم الاخبارهل خرج الوضع...

بقلم:د.ميراي زيادة

ما حصل ليس سجالاً عابراً بين رئيس الجمهورية وحـــــزب الله. نحن أمام انتقال نوعي في الأزمة اللبنانية: من خلاف حول التفاوض إلى مواجهة على من يملك القرار الوطني، ومن يحدد اتجاه الدولة، ومن يملك حق الحرب والسلم. المعطيات التي عرضتِها تُظهر أن العلاقة بين الرئيس جوزف عون وحـــــزب الله اجتازت فعلاً نقطة شديدة الخطورة، وربما دخلت مرحلة يصعب ترميمها بالوساطات التقليدية.

المفاجأة الأولى كانت في بيان الشيخ نعيم قاسم. توقيت البيان لم يكن بريئاً، إذ جاء بعد زيارة الموفد السعودي يزيد بن فرحان إلى بيروت، وكأنه محاولة واضحة للتشويش على مفاعيلها ومنع تحويلها إلى مظلة داخلية داعمة للتفاوض. أما مضمونه، فكان أشبه بإنذار سياسي للدولة: لا تفاوض مباشر، لا تخلي عن السلاح، ولا اعتراف بمسار السلطة. الأخطر أن قاسم لم يكتفِ برفض المفاوضات، بل وصف أداء السلطة بأنه “تنازل مجاني مذل”، واعتبر أن هذه السلطة لا يمكن أن تستمر إذا فرّطت بحقوق لبنان وواجهت “شعبها المقاوم”.

هنا يجب التوقف عند جوهر الرسالة: حـــــزب الله لا يقول فقط إنه يرفض المفاوضات، بل يقول إن السلطة التي تفاوض تفقد شرعيتها السياسية والوطنية. وهذا تطور كبير، لأنه ينقل الخلاف من اعتراض على خيار سياسي إلى تشكيك في أهلية الحكم نفسه.

في المقابل، جاء رد الرئيس جوزف عون سريعاً، مباشراً، وغير مألوف في قاموس الرئاسة. لم يستخدم عون لغة التسويات ولا الرماديات. قال بوضوح إن الخيانة ليست في التفاوض، بل في جرّ البلد إلى الحرب لمصالح خارجية. وسأل السؤال الأكثر حساسية: هل حصل من ذهب إلى الحرب على إجماع وطني قبل أن يأخذ لبنان إليها؟ بهذا الرد، لم يكن عون يدافع فقط عن المفاوضات، بل كان يعيد تعريف مفهوم الشرعية: الشرعية ليست لمن يحمل السلاح، بل لمن يحمي الدولة والقرار الوطني.

وهنا تكمن النقطة المفصلية: عون نقل المواجهة من ملف التفاوض إلى ملف الولاء. عندما قال إن لا علم للبنانيين إلا العلم اللبناني، وإن من يريد حمل علم آخر فليذهب إلى البلد الذي يحمل علمه، كان يضع حزب الله أمام اتهام سياسي غير مباشر بالارتباط بأجندة خارجية. وهذه لغة رئاسية ثقيلة جداً، لأنها تكسر قاعدة المجاملة التي حكمت العلاقة بين بعبدا والحزب منذ انتخابه.

الأزمة بين عون وحـــــزب الله لم تولد أمس. هي مرت بثلاث مراحل واضحة. المرحلة الأولى كانت مرحلة الحوار والتفاهم منذ انتخاب عون وحتى آب، حيث بدا أن العلاقة قابلة للإدارة والتنسيق. المرحلة الثانية بدأت مع قرارات مجلس الوزراء في 5 و7 آب حول حصرية السلاح وتكليف الجيش خطة تنفيذية، وهنا بدأ الحزب يشعر أن الرئيس انتقل من موقع الوسيط إلى موقع الدولة. أما المرحلة الثالثة، وهي الأخطر، فجاءت مع انخراط الحزب في الحرب إسناداً لإيران، ثم ذهاب الدولة إلى مفاوضات مباشرة في واشنطن. عند هذه النقطة، شعر عون أن الحزب طعنه سياسياً، وشعر الحزب أن المسار التفاوضي بدأ يخرج من يده.

من هنا، يمكن فهم لماذا انفجر الرد الرئاسي بهذا الشكل. الرئيس عون، بحسب القراءة الاستراتيجية، لم يعد يعتبر أن المشكلة مجرد سوء تفاهم مع حـــــزب الله. هو يرى أن الحزب يريد إسقاط آخر فرصة تفاوضية لإنقاذ لبنان من حرب أكبر، وأنه يربط مصير لبنان بالميدان الإيراني لا بالمصلحة اللبنانية. في المقابل، يرى الحزب أن عون انتقل إلى محور سياسي جديد تقوده واشنطن، وأنه يسعى إلى فصل لبنان عن إيران وإخراج ورقة لبنان من يدها.

أما الرئيس نبيه بري، فهو اليوم في أصعب موقع سياسي منذ سنوات. السؤال “هل خرج الوضع عن سيطرة بري؟” جوابه الدقيق هو: لم يخرج بالكامل، لكنه لم يعد تحت سيطرته وحده. بري لا يزال يملك مفاتيح مهمة: علاقته بحـــــزب الله، موقعه الشيعي، شرعيته المؤسساتية، وقدرته على التواصل مع السعودية والرئاسة والحكومة. لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادراً على ضبط كل إيقاع الحزب، خصوصاً عندما يصبح الملف مرتبطاً بإيران وبمفاوضات أميركية ـ إيرانية وبحرب إقليمية.

بري كان قادراً على تغطية قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح، لأن هذه القرارات بقيت ضمن إطار الدولة والبيان السياسي الداخلي. لكنه يجد صعوبة أكبر في تغطية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لأنها بالنسبة إلى حـــــزب الله وإيران ليست تفصيلاً لبنانياً، بل ملف استراتيجي. هنا تحديداً يصبح هامش بري أضيق. هو لا يريد إسقاط الدولة، لكنه لا يستطيع الظهور كمن يغطي مساراً يراه بيئته السياسية تهديداً وجودياً.

ولهذا السبب، جاءت عبارة بري “الأولوية لوقف إطلاق النار” شديدة الدلالة. هو لا يقول نعم للتفاوض، ولا يذهب إلى لا كاملة. يضع شرطاً سابقاً: أوقفوا النار أولاً. بهذه الطريقة يحاول بري تجميد الانفجار، لا حله. وحين يقول “الحكومة جامدة كجمود لبنان”، فهو يصف حالة شلل عام: لا الدولة قادرة على التقدم، ولا الحزب مستعد للتراجع، ولا الرئاسة قادرة على تهدئة الاشتباك.

أما الدور السعودي، عبر يزيد بن فرحان، فيظهر هنا كعامل محاولة إنقاذ لا كعامل حسم. السعودية حاولت إنتاج مظلة داخلية: لقاء رئاسي ثلاثي في بعبدا، تهدئة بين الرؤساء، حماية نواف سلام، منع الفتنة، وعدم جر الجيش إلى مواجهة مع حزب الله. لكن بيان نعيم قاسم ورد عون ضربا هذه المحاولة في لحظة حساسة. لذلك تكثفت الاتصالات على خط الرياض ـ بيروت لإنقاذ الاجتماع الرئاسي، لأن فشل هذا اللقاء يعني عملياً أن الوساطة السعودية تلقت ضربة مبكرة.

المواجهة هل تبقى سياسية؟ نظرياً نعم، لكن عملياً الخطر يكبر. حتى الآن، المواجهة محصورة في الخطاب العالي والسجال السياسي. لكن عندما يصبح الاتهام متبادلاً بين “التنازل المذل” و”جرّ البلد إلى حروب الآخرين”، وعندما يدخل الشارع والطائفة والسلاح والمفاوضات مع إسرائيل في مشهد واحد، يصبح احتمال انتقال التوتر إلى أشكال غير سياسية احتمالاً جدياً. ليس بالضرورة حرباً داخلية مباشرة، بل توترات أمنية، ضغط في الشارع، تعطيل حكومي، استهداف سياسي، أو تفجير بيئات الاحتقان.

التحليل الأعمق يقول إن لبنان دخل مرحلة “كسر التوازن القديم”. طوال سنوات، كان هناك تفاهم ضمني: الدولة موجودة شكلياً، وحـــــزب الله يمسك بقرار الحرب، وبري يضبط الإيقاع الشيعي داخل النظام. اليوم هذه المعادلة تتفكك. عون يحاول استعادة قرار الدولة. حـــــزب الله يحاول منع خسارة سلاحه ودوره. بري يحاول منع الصدام بين الاثنين. والسعودية تحاول منع سقوط الحكومة وانفجار الداخل.

الخلاصة المدويّة: نعم، العلاقة بين عون وحـــــزب الله وصلت إلى نقطة يصعب الرجوع عنها بسهولة. ونعم، بري لم يعد قادراً وحده على ضبط المسار إذا قرر الحزب التصعيد، لكنه لا يزال آخر صمام أمان داخل البيئة الشيعية والمؤسسات. أما المواجهة، فقد تبقى سياسية فقط إذا نجح اللقاء الرئاسي والوساطة السعودية في إعادة إنتاج حد أدنى من التفاهم. أما إذا فشل ذلك، فلبنان سيدخل مرحلة أخطر: مرحلة لا تكون فيها الحرب معلنة، لكن الدولة تُستنزف من الداخل، والتفاوض يُعطّل، والشارع يصبح قابلاً للاشتعال.

المعادلة الآن واضحة: عون يريد دولة تفاوض باسم لبنان، حـــــزب الله يريد مقاومة تمنع التفاوض، وبري يحاول منع الانفجار بين الدولة والمقــــــاومة. أما السعودية، فتحاول إنقاذ النظام من الانهيار قبل أن يتحول الخلاف السياسي إلى فتنة مفتوحة.

Copyright © TOPSKY NEWS

بعد مطاردة ورصد.. قاتل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون...

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع النهار: من يلتقي أو من يختلف مع الرئيس...

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة...

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو جاء في أساس ميديا: تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر...

من مستشفى كانت تُعالج فيه...

من مستشفى كانت تُعالج فيه والدة نـــــصر الله إلى قيادات الحزب.. كواليس توقيف أخطر عميل! كشفت صحيفة المدن معطيات جديدة...

عميل “مقرب” من الحـــــزب ومن...

عميل "مقرب" من الحـــــزب ومن الطراز الرفيع.. بقبضة الدولة! أوقفت السلطات اللبنانية شخصًا مقرّبًا من حـــــزب الله، بتهمة "العمالة" لإسرائيل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع النهار: من يلتقي أو من يختلف مع الرئيس جوزف عون يدرك حجم الضغوط...

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو جاء في أساس ميديا: تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر إلى لبنان باعتباره “الملفّ الأمنيّ...