بقلم:د.ميراي زيادة
لم تكن زيارة موفد رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الرياض تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا، بل جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع التصعيد الداخلي مع مسار تفاوضي معقّد بين لبنان وإسرائيل، ما يفرض قراءة أعمق في دلالاتها وتوقيتها.
في الشكل، أوفد بري معاونه السياسي النائب علي حسن خليل إلى المملكة العربية السعودية للقاء المسؤول عن الملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان، لكن في المضمون، الزيارة تحمل أكثر من رسالة، تبدأ من الداخل ولا تنتهي عند حدود الإقليم.
فهي أولًا تعكس قلقًا حقيقيًا من انزلاق الوضع الداخلي نحو توتر سنّي–شيعي، في ظل احتقان سياسي وشعبي متصاعد، خصوصًا في بيروت، حيث لم يعد الشارع مجرد مساحة اعتراض، بل بات مرآة لاحتمالات انفجار أكبر.
ومن هنا، تبدو الزيارة محاولة استباقية لاحتواء أي فتنة محتملة، عبر إعادة فتح قنوات التواصل مع الرياض، بما تمثّله من ثقل في البيئة السنية، وبما تملكه من قدرة على التأثير في توازنات الداخل اللبناني. فبري، الذي يقرأ التحولات بدقة، يدرك أن ضبط الإيقاع الداخلي لا يمكن أن يتم من دون شراكة إقليمية، وأن أي خلل في العلاقة مع السعودية سينعكس مباشرة على الاستقرار الهش.
بالتوازي، تحمل الزيارة بعدًا سياسيًا يتصل بالعلاقة مع رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يحظى بدعم سعودي واضح، ويتقدّم في المشهد السني بغطاء تمثيلي متين. في هذا السياق، لا يمكن فصل التحرك عن محاولة رأب الصدع مع السراي الحكومي، وتفادي تحوّل الخلافات إلى مواجهة مفتوحة في الشارع أو داخل المؤسسات، خصوصًا مع الحديث عن تحركات داعمة لسلام برعاية غير مباشرة من الرياض.
أما في البعد الإقليمي، فالرسالة أكثر تعقيدًا.
إذ تأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه إيران إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع السعودية بعد مرحلة من التوتر، وهو ما ينعكس بدوره على لبنان.
فالتقاطع الإيراني–السعودي، إن نضج، قد يشكّل مظلة تهدئة، بينما أي تعثر سيعيد لبنان إلى دائرة الاشتباك غير المباشر. وفي هذا الإطار، يتحرك بري على خطين: تثبيت موقعه كضامن للتوازن الداخلي، وفتح نافذة على دور سعودي يمكن أن يساهم في إدارة ملفات حساسة، من المفاوضات إلى الأوضاع الاجتماعية والإنسانية.
وفي موازاة ذلك، يكتسب تأجيل زيارة رئيس الحكومة إلى واشنطن دلالات لا تقل أهمية، إذ تتراوح أسبابه بين اعتبارات دبلوماسية مرتبطة بجدولة اللقاءات، وحسابات سياسية داخلية تتصل بتفادي تحمّل كلفة التفاوض المباشر، وصولًا إلى هواجس أمنية جدية من احتمال تصعيد في الشارع قد يصل إلى حد الضغط على الحكومة أو حتى محاولة إسقاطها في لحظة غياب رئيسها.
هكذا، تتقاطع المسارات: تفاوض خارجي مفتوح على احتمالات متعددة، وداخل لبناني يقف على حافة التوتر، فيما تتحرك القوى السياسية الكبرى لتثبيت توازن دقيق يمنع الانفجار. وفي قلب هذا المشهد، تبدو زيارة موفد بري إلى الرياض أكثر من مجرد لقاء، بل محاولة لإعادة ضبط الإيقاع، قبل أن تسبق الأحداث الجميع.

