بقلم:د.ميراي زيادة
لم تكن الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن مجرد خطوة إجرائية لفتح قناة تواصل، بل بدت أقرب إلى لحظة تأسيس لمسار جديد يُدار في ظل الاشتباك، لا بعد توقفه.
فداخل أروقة وزارة الخارجية الأميركية، لم يُسجَّل اتفاق، ولم تُحدَّد أولويات واضحة، كما لم يُنتزع وقف لإطلاق النار، غير أنّ ما تحقق فعلياً هو إطلاق مسار تفاوضي طويل الأمد، يجري بالتوازي مع العمليات العسكرية، بما يعكس واقعاً غير تقليدي: مفاوضات تُبنى تحت ضغط النار، لا في ظل هدنة.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة خطوة الدولة اللبنانية كتحوّل سياسي لافت، إذ اختارت أن تدخل في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، محاولةً تثبيت نفسها كممثل شرعي وحيد في هذا الملف، بعد سنوات من التداخل بين القرار الرسمي وتوازنات القوى غير الرسمية. إلا أنّ هذه المبادرة، على أهميتها، تصطدم بواقع داخلي معقّد، حيث لا تزال الدولة عاجزة عن الإمساك الكامل بعناصر القوة، ما يطرح إشكالية واضحة بين قرار التفاوض من جهة، والقدرة على فرض نتائجه من جهة أخرى.
بالتوازي، برز توجه لبناني لفصل المسار التفاوضي عن السياق الإيراني، في خطوة تعكس سعياً لإعادة تموضع استراتيجي، ولو بشكل تدريجي. فبينما كانت طهران تدير مفاوضاتها الخاصة مع واشنطن، اختار لبنان أن يفتح مساراً مستقلاً، في محاولة للخروج من معادلة الربط التلقائي بين الجبهتين.
غير أنّ هذا الفصل لا يمرّ من دون كلفة داخلية، إذ يضع حزب الله أمام معادلة جديدة تمسّ بدوره التقليدي في إدارة هذا النوع من الملفات، ما يفتح الباب أمام توتر سياسي يتجاوز إطار التفاوض ليطال بنية القرار الداخلي.
ومن هنا، يصبح واضحاً أن التحدي لا يقتصر على إدارة التفاوض مع إسرائيل، بل يمتد ليشمل التوازن الداخلي، حيث تتباين المقاربات بين الدولة التي تسعى إلى مسار طويل الأمد، وحزب الله الذي يركّز على أولوية وقف إطلاق النار. هذا التباين يعكس، في جوهره، صراعاً حول من يحدد اتجاه المرحلة المقبلة، ومن يمتلك القرار النهائي في قضايا مصيرية كالحرب والسلم.
في المقابل، جاء الموقف الإسرائيلي منسجماً مع استراتيجية واضحة تقوم على رفض وقف العمليات العسكرية، إذ تعتمد تل أبيب، بقيادة Benjamin Netanyahu، مبدأ “التفاوض تحت الضغط”، معتبرة أن استمرار العمليات يعزز موقعها التفاوضي. وبذلك، تتحول الحرب من عامل يجب وقفه لبدء التفاوض، إلى أداة تُستخدم لتحسين شروطه، ما يضع لبنان أمام خيار صعب بين الاستمرار في هذا المسار أو الانسحاب منه بكلفة مرتفعة.
ولا يقتصر الطرح الإسرائيلي على إدارة المعركة الراهنة، بل يمتد إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني، حيث تُطرح سيناريوهات تتراوح بين تكريس واقع أمني طويل الأمد شبيه بنموذج الجولان، أو فرض ترتيبات أمنية دولية أقرب إلى نموذج سيناء. وفي كلا الحالين، فإن هذه الطروحات تعكس سعياً لإعادة تعريف مفهوم السيادة في تلك المنطقة، بما يتجاوز مجرد الترتيبات العسكرية.
أما على المستوى الدولي، فقد شكّل حضور Marco Rubio مؤشراً واضحاً على ارتفاع مستوى الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني، حيث تنظر واشنطن إلى هذه المفاوضات كجزء من مقاربة أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، ولا سيما في ما يتعلق بدور إيران وحلفائها. ومع ذلك، فإن هذا الانخراط لا يترافق مع ضغط حقيقي لوقف إطلاق النار، ما يترك لبنان في مواجهة مسار مفتوح على التصعيد بالتوازي مع التفاوض.
وفي موازاة ذلك، برز البعد الإعلامي كأداة مكمّلة للمسار السياسي، إذ سعت إسرائيل إلى تقديم رواية توحي بوجود تقاطع بينها وبين الدولة اللبنانية في مواجهة حزب الله، في خطوة تهدف إلى التأثير على الداخل اللبناني وتعميق الانقسام، بما ينعكس على موقع الدولة التفاوضي.
أمام هذا المشهد المركّب، يجد لبنان نفسه في موقع دقيق يتأرجح بين فرصة لإعادة تثبيت دوره كدولة فاعلة، وبين خطر الانزلاق إلى واقع يُفرض عليه نتيجة تعقيدات الداخل وضغوط الخارج.
فالمسار التفاوضي، رغم كونه مفتوحاً، لا يحمل ضمانات واضحة، بل يطرح تحديات تتعلق بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة تحوّل حقيقية.
وفي المحصلة، لا يمكن اختزال ما يجري في كونه مجرد مفاوضات تقنية أو أمنية، بل هو اختبار شامل لطبيعة الدولة اللبنانية ودورها، ولمدى قدرتها على الانتقال من موقع المتأثر بالتوازنات إلى موقع المؤثر فيها. وبين استمرار العمليات العسكرية وغياب الأفق الواضح، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً: هل ينجح لبنان في استثمار هذا المسار لتعزيز سيادته، أم يجد نفسه أمام معادلة تُعاد صياغتها من الخارج، تحت وقع النار؟

