بقلم:كاتب سيادي
يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: الدخول في مفاوضات مع إسرائيل تحت إشراف أميركي وفي ظل استمرار الضغط العسكري. ان هذه المفاوضات لا تشبه مسارات السلام التقليدية، بل هي اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على التفاوض في بيئة غير متكافئة.
كما أنها ليست مفاوضات حيادية، بل هي مفاوضات تُجرى تحت ضغط عسكري، وبوساطة طرف غير محايد (الولايات المتحدة)، وفي مواجهة منظومة إسرائيلية عالية التنسيق تجمع بين البعد السياسي والأمني وقناة التأثير في واشنطن .
فالمسألة ليست دبلوماسية مجردة، بل دبلوماسية تصاغ تحت تأثير القوة و في هذا السياق، والسؤال ليس ما إذا كان يجب على لبنان أن يتفاوض، بل كيف.
مفاوضات من نوع مختلف:
التمثيل الاسرائيلي والأميركي:
إسرائيل تدخل هذه المحادثات من موقع قوة، مدعومة بتحالف وثيق مع واشنطن. ويعكس فريقها التفاوضي هذا الواقع.
شخصيات مثل Ron Dermer تمتلك خبرة عميقة في النظام السياسي الأميركي وقدرة عالية على تحويل المصالح الإسرائيلية إلى سياسات أميركية. إلى جانبه، Yechiel Leiter يحمل رؤية أيديولوجية واضحة وانخراطًا سياسيًا مباشرًا في الخط الاستراتيجي للحكومة الإسرائيلية.
بمعنى آخر، إسرائيل تتفاوض كمنظومة متكاملة سياسيا، أمنيا، ودبلوماسيا.
إدراج سفير الولايات المتحدة الى لبنان ميشال عيسى في العملية التفاوضية يوفر قناة مباشرة إلى واشنطن وقد يساعد في تسهيل التواصل واحتواء التصعيد، لكنه لا يعني وجود وسيط حيادي.
فالولايات المتحدة تبقى طرفا منحازا استراتيجيا، ما يطرح خطر توجيه مسار التفاوض بما يتماشى مع أولوياتها وأولويات إسرائيل، إضافة إلى نقل الضغوط بشكل غير مباشر تحت عناوين “الفرصة” أو “ضرورة التقدم”.
وعليه، لا يمكن للبنان أن يواجه هذا الواقع إلا ببنية تفاوضية متكاملة، لا بمجرد تمثيل رمزي.
التمثيل اللبناني:
الأسماء المطروحة تمتلك كفاءة وخبرة ولكل منهم نقاط قوة واضحة:
ندى حمادة معوض: قناة مباشرة إلى واشنطن وقدرة على إدارة العلاقة مع الوسيط الأميركي.
بول سالم: عمق استراتيجي وقدرة على صياغة خطاب لبناني مفهوم دوليا.
سيمون كرم: خبرة دبلوماسية وقانونية تجعله مناسبا لقيادة التفاوض.
لكن هذه التشكيلة، رغم أهميتها، تبقى غير مكتملة إذا اعتمدت وحدها.
ما الذي يجب أن يفعله لبنان
المشكلة ليست في الأسماء، بل في الهيكلية.
هذا النوع من التفاوض يتطلب فريقا متعدد الوظائف يشمل:
مرجعية سياسية واضحة وموحدة
مفاوض رئيسي يقود العملية
قناة متخصصة لإدارة العلاقة مع واشنطن
خبرة عسكرية/أمنية لمناقشة آليات وقف إطلاق النار والمراقبة
فريق قانوني تقني لصياغة الاتفاقات
ضمن هذا الإطار:
يمكن لسيمون كرم أن يكون المفاوض الرئيسي
تتولى ندى حمادة معوض إدارة القناة الأميركية
يضطلع بول سالم بدور المستشار الاستراتيجي
لكن غياب البعد الأمني والقانوني يضعف أي وفد مهما كانت قوته السياسية أو الإعلامية.
تحديد المخاطر:
التفاوض تحت النار
أبرز المخاطر يتمثل في الدخول في المفاوضات دون وقف لإطلاق النار. فالتفاوض في ظل العمليات العسكرية لا يكون متوازنا، بل يتحول إلى أداة ضغط. في مثل هذه الظروف، يصبح التصعيد وسيلة لتعديل شروط التفاوض، وليس مجرد خلفية له.
لذلك، يجب أن يكون موقف لبنان واضحا: لا يمكن تثبيت أي التزامات جدية في ظل استمرار القصف. وقف إطلاق النار ليس تنازلا، بل شرطا أساسيا لأي عملية ذات مصداقية.
فخ الترتيب
الخطر الثاني يكمن في محاولة فرض مقاربة “الأمن أولا”، بحيث يطلب من لبنان معالجة قضايا حساسة مثل سلاح حزب الله في البداية، فيما تؤجل التزامات إسرائيل. هذا الترتيب يخلق اختلالا جوهريا، حيث تصبح التزامات لبنان فورية، بينما تبقى التزامات الطرف الآخر مشروطة.
على لبنان أن يرفض هذا المنطق، ويصر على مسار متدرج ومتوازن وقائم على التبادلية.
خطر الضغط الداخلي
عندما تفرض مطالب تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على التنفيذ، فإن الضغط لا يختفي بل ينتقل إلى الداخل وهذا قد يؤدي إلى توترات داخلية بدل تحقيق الاستقرار.
لذلك، يجب أن تكون أي التزامات مرتبطة بقدرة الدولة، لا بتوقعات خارجية.
مسألة الحدود والسيادة
أما الترتيبات الأمنية على الحدود، فيجب التعامل معها بحذر شديد. فالمناطق العازلة أو القيود على الوجود المدني، إذا لم تكن محددة بدقة، قد تتحول إلى واقع دائم يمس بالسيادة.
هدف لبنان ليس تحقيق “نصر تفاوضي”، بل بل تحقيق أربع غايات أساسية:
عدم تقديم تنازلات تحت الضغط
عدم القبول بشروط أحادية
عدم الالتزام بما يفوق قدرة الدولة
تجنب الغموض الذي يمكن استغلاله لاحقا
فتح مسار واقعي نحو الاستقرار
في جوهر المسألة
هذه المفاوضات ليست فقط مع إسرائيل، بل هي اختبار لقدرة لبنان على أن يتصرف كدولة.
والمطلوب من لبنان ليس تحقيق “نصر تفاوضي” بل تحقيق أربع غايات أساسية:
أولا: تثبيت وقف إطلاق النار
ثانيا: معالجة القضايا المباشرة (الانسحاب، الأسرى، الحدود)
ثالثا: مناقشة الترتيبات الأمنية ضمن إطار لبناني
رابعا: تأجيل أي مسائل سياسية كبرى إلى مرحلة لاحقة
الفرصة المتاحة اليوم ليست مثالية، لكنها موجودة.
والفارق بين التآكل والتعافي لن يحسم بالشعارات والنوايا، بل بحسن التنظيم، وضبط الأداء، ووضوح الهدف.

