بقلم: كاتب سيادي
في كل مرة ترتفع فيها نبرة الخطاب الرسمي في لبنان حول “السيادة”، يبدو المشهد وكأن الدولة تستعيد صوتها… لكن ليس بالضرورة قدرتها. فالتأكيد المتكرر على أن الدولة وحدها تملك صلاحية التفاوض هو موقف صحيح نظرياً، لكنه يصطدم سريعاً بواقع مغاير على الأرض، حيث لا تُقاس السيادة بالكلمات، بل بالفعل.
السيادة ليست إعلاناً سياسياً، بل ممارسة يومية. وعندما تعجز الدولة عن تأمين أبسط الخدمات من دون وساطة خارجية، أو تحتاج إلى “ضوء أخضر” لإصلاح بنية تحتية تخدم مواطنيها، فإن السؤال لم يعد: من يفاوض؟ بل: هل الدولة حاضرة فعلاً في المعادلة؟
هنا تكمن الإشكالية الحقيقية: الفجوة بين الخطاب والممارسة. فلبنان اليوم يجد نفسه مدرجاً ضمن ترتيبات وقف إطلاق نار لم يكن شريكاً في صياغتها، وفق ما أكده الوسيط الباكستاني. قد يبدو ذلك انتقاصاً من السيادة، لكنه في الوقت نفسه يفتح نافذة لا يمكن تجاهلها.
ليست كل الفرص مثالية، وليست كل الوقائع عادلة. لكن في السياسة، كما في إدارة الدول، لا تُبنى الاستراتيجيات على المثاليات بل على الممكن.
القيادة المسؤولة لا تكتفي بالاعتراض من خارج المشهد، بل تدخل إليه، تستثمره، وتعيد تشكيله تدريجياً لصالحها. ومن هنا، يمكن تحويل هذه اللحظة من واقع مفروض إلى مسار مكتسب، عبر خطوات واضحة:
استثمار وقف إطلاق النار لتأمين تهدئة فعلية وانفراج ميداني
إعادة تثبيت حضور الدولة في المناطق التي تراجع فيها دورها
تحويل الإدراج الخارجي إلى نفوذ داخلي، ومن النفوذ إلى سيادة متراكمة
فالسيادة لا تُستعاد بقرار مفاجئ، بل تُبنى عبر تراكم إنجازات صغيرة تُفرض على الأرض، وتُترجم لاحقاً إلى معادلات سياسية.
في المقابل، فإن رفض الواقع القائم فقط لأنه لم يُصغَ بأيدٍ لبنانية، يحمل مخاطرة أكبر: أن يبقى لبنان خارج الطاولة، فيما تُتخذ القرارات المتعلقة به من دونه.
لبنان اليوم لا يملك ترف التمسك بالمواقف الرمزية. ما يحتاجه هو براغماتية استراتيجية: قراءة دقيقة للواقع، واستثمار ذكي للفرص، ولو كانت ناقصة.
أولاً: اغتنموا الفرصة.
ثم… ابنوا السيادة التي تتحدثون عنها.

