بقلم: د. ميراي زيادة
في 6 شباط 1984، لم يكن لبنان أمام حدثٍ عابر.
كان أمام لحظة قرّرت كيف سيُحكم هذا البلد لعقود.
في الشارع، كان المشهد يبدو كأنه مواجهة سياسية أو عسكرية عادية.
لكن في العمق، كان شيء آخر يتكرّس بهدوء:
قاعدة غير مكتوبة تقول إنّ لبنان لا يُدار من الدولة… بل من موازين القوى.
منذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال من يحكم،
بل كيف تتوزّع القدرة على التعطيل،
ومن يملك مفاتيح الخارج،
ومن يستطيع أن يفرض نفسه شريكاً لا يمكن تجاوزه.
مرّت السنوات، وتبدّلت الوجوه،
لكن القاعدة بقيت نفسها.
كل أزمة كانت تنتهي بتسوية،
وكل تسوية كانت تعيد إنتاج المعادلة نفسها:
قوى تتفاهم… ودولة تترجم.
لم يكن أحد يقول ذلك بصراحة،
لكن الجميع كان يتصرّف على هذا الأساس.
أربعون عاماً مرّت.
فيها جُرّبت القوّة حتى أقصاها،
وجُرّبت التسويات حتى استُهلكت،
وجُرّبت الرهانات الخارجية حتى انكشفت،
وجُرّبت التوازنات حتى أصبحت غاية بحدّ ذاتها.
لكن شيئاً واحداً لم يُجرَّب فعلياً:
أن تكون الدولة هي نقطة البداية… لا النتيجة.
اليوم، بعد الحرب الأخيرة،
لم يعد بالإمكان تجاهل هذا السؤال.
ليس لأنّ طرفاً انتصر،
ولا لأنّ موازين القوى تغيّرت جذرياً،
بل لأنّ النموذج نفسه بدأ يفقد قدرته على الاستمرار.
للمرّة الأولى، يظهر بوضوح أنّ:
القوّة خارج الدولة لا تُنتج استقراراً،
والتوازنات وحدها لا تمنع الانهيار،
والتسويات لم تعد قادرة على شراء الوقت.
كأنّ كل ما جرى طوال هذه السنوات كان محاولة لتأجيل الحقيقة… لا مواجهتها.
الحقيقة بسيطة، لكنها ثقيلة:
لبنان لم يجرّب الدولة.
جرّب كل شيء حولها،
لكن لم يجرّبها كمرجعية فعلية.
لم يجرّب أن تكون القوّة محكومة بها،
ولا القرار محصوراً فيها،
ولا الشرعية صادرة عنها.
وهنا تبدأ المفارقة.
اليوم، كل المكوّنات، مهما اختلفت مواقعها،
تعرف في قرارة نفسها أنّ هذا النموذج وصل إلى نهايته.
تعرف أنّ القوّة وحدها لا تكفي،
وأن الخارج لا يضمن،
وأن التوازنات لا تبني.
لكن، في الوقت نفسه،
لا أحد مستعدّ بعد للخطوة التالية.
لا أحد مستعدّ للتخلّي عمّا يملكه،
لصالح دولة تملك كل شيء.
وهكذا، يقف لبنان في لحظة دقيقة.
ليس أمام اتفاق جديد فقط،
بل أمام خيار لم يُحسم منذ 1984:
هل تبقى الدولة نتيجة لما تفرضه القوى؟
أم تصبح هي التي تحدّد حدود هذه القوى؟
السؤال يبدو نظرياً…
لكنّه في الحقيقة يحدّد ما إذا كان هذا البلد سيتحوّل إلى دولة،
أو سيبقى ساحة مُدارة بلا نهاية.
في لبنان، لا تُولد الدول دفعة واحدة.
تُولد عندما يقتنع الجميع، متأخرين عادة،
أن لا أحد يستطيع أن يحكم وحده…
وأن لا شيء يمكن أن يستمر من دون مرجعية واحدة.
هذه المرجعية اسمها الدولة.
لكن في لبنان،
مرّ أربعون عاماً…
ولا تزال مجرّد فكرة لم تُجرَّب بعد.

