بقلم د. ميراي زيادة – كلما اشتدت الأزمة اللبنانية، يعود السؤال إلى الواجهة: هل يُعاد “تلزيم” لبنان إلى سوريا كما حصل عام 1976؟
المقارنة تبدو مغرية سياسياً، لكنها تتجاهل تحوّلات جوهرية تجعل إعادة إنتاج ذلك النموذج أمراً بالغ الصعوبة.
عام 1976 دخلت القوات السورية إلى لبنان في ظل حرب أهلية مفتوحة وانهيار أمني شامل وانقسام داخلي حاد. الدولة كانت شبه متفككة، والمؤسسات عاجزة، والسلاح منتشراً في كل مكان. في المقابل، كانت سوريا دولة مركزية قوية أمنياً، تمتلك جيشاً منسقاً وقراراً سيادياً متماسكاً، وتحظى بغطاء إقليمي ودولي ضمني سمح لها بلعب دور الممسك بالملف اللبناني. تكرّس هذا النفوذ لاحقاً بعد اتفاق الطائف، واستمر حتى عام 2005.
أما اليوم، فالصورة مختلفة جذرياً.
سوريا نفسها خرجت من حرب طويلة أرهقت اقتصادها وبنيتها التحتية، قدرتها على إدارة وصاية خارج حدودها لم تعد كما كانت في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي.
في المقابل، البيئة الدولية تغيّرت. لا يوجد اليوم “ضوء أخضر” دولي لإعادة إنتاج الوصاية. الولايات المتحدة تتبع سياسة احتواء تجاه دمشق، وأوروبا تربط أي انفتاح بشروط سياسية واضحة، ودول الخليج لم تمنح تفويضاً استراتيجياً لسوريا في لبنان، فيما تراقب إسرائيل الجبهة الشمالية بدقة ولن تقبل بسهولة بعودة تموضع عسكري سوري مباشر.
لبنان بدوره، رغم الانهيار الاقتصادي العميق، لا يعيش حرباً أهلية شاملة كما في 1976. الجيش اللبناني ما زال قائماً، والمؤسسات لم تنهَر بالكامل، والمجتمع الدولي حاضر أمنياً ومالياً. الفراغ الشامل الذي سمح بتكريس وصاية سابقة غير متوافر حالياً.
هذا لا يعني غياب النفوذ أو التأثير. في السياسة، النفوذ اليوم يُمارس غالباً بطرق غير مباشرة: عبر الحلفاء، عبر التوازنات الإقليمية، أو عبر التنسيق الأمني في ملفات محددة كضبط الحدود أو ملف اللاجئين. لكن الفرق كبير بين تأثير سياسي أو تنسيق موضعي، وبين إدارة مباشرة للقرار اللبناني وانتشار عسكري على الأرض.
الحديث عن عودة وصاية سورية كاملة يعكس في جزء منه مناخ القلق والانهيار الذي يعيشه اللبنانيون. إلا أن الوقائع تشير إلى أن شروط عام 1976 لم تعد قائمة: لا سوريا هي نفسها، ولا لبنان هو ذاته، ولا الإقليم يعمل وفق القواعد القديمة.
لبنان اليوم ساحة توازنات معقدة، لا يمكن اختزال مستقبلها بقرار أحادي من دمشق.
وإذا كان هناك من عامل حاسم فعلاً، فهو قدرة اللبنانيين أنفسهم على إعادة بناء دولتهم , لأن الفراغ الداخلي، لا الإرادة الخارجية وحدها، هو ما يفتح الباب دائماً لأي وصاية.

