بقلم الدكتورة ميراي زيادة-
بدأنا بدورة تحليلية على القارة الإفريقية، لنفهم تقلباتها وتحولات قوتها، قبل أن نعود ونلقي الضوء على ما يحصل في الشرق الأوسط. فالسياسة تُحاك من المشهد الأكبر إلى الأصغر، وليس العكس. أترك لكم التفكير بما يجري من متغيرات، وسأضع بين أيديكم معلومات ربما غفلتم عنها لتتمكنوا من بناء استنتاجاتكم على أسس واضحة.
لم تعد أفريقيا اليوم مجرد قارة تبحث عن الاستقرار؛ إنها قارة تعيد كتابة تاريخها السياسي على مرأى العالم. موجة الانقلابات التي تجتاحها ليست أحداثًا متفرقة، بل فصل جديد في صراع طويل بين شعوب غاضبة، أنظمة متآكلة، جيوش تعود إلى الضوء، وقوى دولية تبحث عن موطئ قدم في أرض مليئة بالفراغات الاستراتيجية.
من غرب القارة إلى قلبها وجنوبها، تتساقط الأنظمة كقطع دومينو، يربط بينها خيط رفيع: نهاية مرحلة وبداية أخرى. السياسة هنا تختلط بالاقتصاد، والقبيلة بالجغرافيا، والجيش بالسلطة، لتتشكل خريطة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
أبرز المحطات:
غينيا-بيساو: نموذج الدولة الهشة، حيث تحوّل الجيش إلى حكم ظلّي حاضر عند كل فراغ.
مالي: شرارة الانقلابات، وتحوّل الجيش إلى لاعب رئيسي يتحالف مع قوى إقليمية جديدة.
تشاد: جمهورية عسكرية بملامح عائلية، انتقال سلس للسلطة رغم الجدل حول الانتخابات.
غينيا: انقلاب الجيش بعد محاولات الرئيس التمدد، وتحول الانقلاب إلى شرعية جديدة.
السودان: انقلاب 2021 الذي انفجر إلى صراع دموي أعمق، وأصبح ساحة مفتوحة للمصالح الإقليمية والدولية.
بوركينا فاسو والنيجر: الجنود يعيدون ترتيب السلطة داخليًا، وسقوط آخر معاقل الديمقراطية في الساحل.
الغابون ومدغشقر: الانقلابات جاءت لتعيد تشكيل السلطة، أو بسبب غضب شعبي اجتماعي.
محركات موجة الانقلابات:
شرعية سياسية متآكلة (أزمات اقتصادية، فساد، بطالة، تراجع الخدمات).
جيش جاهز للعب الدور الحاسم، ليس كمؤسسة حيادية بل كلاعب سياسي مسلّح.
صراع نفوذ خارجي بين فرنسا، روسيا، الولايات المتحدة، والصين بصمت طويل الأمد.
الخلاصة:
المشهد الأفريقي ليس فوضى عابرة، بل إعادة تشكيل كاملة للخريطة السياسية، حيث يتقدم الجيش إلى الواجهة وتُستبدل الديمقراطية الهشة بـ “شرعية القوة”. العالم يراقب، والقوى تتزاحم، لكن الحقيقة الثابتة هي: أفريقيا تغيّر نفسها… والعقد الجديد بدأ الآن.

