واشنطن تفتح جبهة الكونغو ضدّ حزب الله
بقلم د. ميراي زيادة
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وحزب الله محصورةً بحدود لبنان أو ساحات سوريا، بل انتقلت إلى عمق القارة الإفريقية حيث تتقاطع شبكات المال والتجارة والذهب والماس.
في الأشهر الأخيرة، كشفت تحركات وزارة الخزانة الأميركية عن تحوّل نوعي في استراتيجية الحرب الناعمة: من العقوبات السياسية التقليدية إلى ضرب البنية التحتية المالية للحزب في مناطق تعتبرها واشنطن “مصدر الأوكسجين الاقتصادي” لتمويل أنشطته.
ومن بين هذه المناطق، برزت الكونغو الديمقراطية كخطّ تماسٍ جديد بين النفوذ الأميركي والشبكات المالية اللبنانية.
منذ سنوات، شكّلت جمهورية الكونغو الديمقراطية قاعدة مالية مهمّة لشبكات لبنانية–إفريقية تنشط في تجارة الذهب والألماس والمواد الخام، وتُستخدم كغطاء لتحويل الأموال بين إفريقيا ولبنان وسوريا.
ومع تشديد العقوبات الأميركية، باتت واشنطن تعتبر هذه الشبكات الممرّ المالي الأخطر في تمويل الحزب.
فقد رصدت التحقيقات الأميركية عشرات الشركات الوهمية المسجلة بأسماء رجال أعمال لبنانيين وأفارقة مقربين من بيئة الحزب، مستفيدةً من ثغرات الرقابة المصرفية في البلاد.
وهكذا تحوّلت الكونغو، الهادئة ظاهريًا، إلى مسرحٍ خفيٍّ لحرب مالية معقّدة تدور داخل المصارف أكثر مما تدور في الميدان.
هذه التطورات مهّدت لمرحلةٍ جديدة، انتقلت فيها واشنطن من جمع المعلومات إلى تنفيذ الهجوم المالي المنظّم.
انطلاقًا من الكونغو، بدأت وزارة الخزانة الأميركية استخدام أدوات غير تقليدية، تُعرف داخل أروقتها باسم “العقوبات الذكية – Smart Sanctions”.
لم تعد العقوبات مجرد لوائح سوداء تُعلن في الإعلام، بل أصبحت عمليات خنقٍ مالية دقيقة تتم بهدوء:
مراقبة التحويلات بالدولار على مستوى العالم.
الضغط على المصارف الأوروبية والإفريقية لعزل الحسابات المشبوهة.
إدراج أفراد وشركات ضمن قوائم الإرهاب المالي من دون إعلان فوري، لضمان شللهم التام من دون إثارة ضجيج سياسي.
بهذه الآلية، تحوّلت الخزانة الأميركية إلى غرفة عملياتٍ مالية تدير حربها من خلف الشاشات، فتعاقب وتشلّ وتخنق من دون طلقة واحدة.
هذه الخطوة فتحت الباب أمام مرحلةٍ جديدة في المواجهة: حرب مالية باردة تمتد من واشنطن إلى كينشاسا فبيروت.
ومع اشتداد هذه الحملة، بدأت الأجنحة الإفريقية للحزب تتهاوى تباعًا.
فالقارة التي كانت تُشكّل الرئة الاقتصادية للحزب، من سيراليون إلى أنغولا، باتت تحت رقابةٍ شديدة.
المصارف الإفريقية، خوفًا من فقدان تراخيصها بالدولار، بدأت تغلق حسابات وتجمّد تحويلات لأي جهة يشتبه بعلاقتها بلبنان.
نتيجة ذلك، تراجعت التدفقات المالية نحو بيروت منذ عام 2023 بشكلٍ ملحوظ، ما أجبر الحزب على تغيير تكتيكاته المالية:
توزيع التحويلات على وسطاء متعدّدين لتفادي الرقابة.
الاعتماد على الذهب الخام كعملة تسويةٍ بديلة بين إفريقيا والشرق الأوسط.
نقل جزء من النشاط إلى دولٍ مثل زامبيا وغانا، حيث الرقابة أضعف، في محاولةٍ لشراء الوقت أمام الهجمة الأميركية.
لكنّ هذه التحركات لم تُخفِ الواقع: القبضة الأميركية تضيق، والمناورة تزداد صعوبة.
واشنطن تدرك أن ضرب التمويل أخطر من أي مواجهة عسكرية.
فالمال هو الذي يُغذّي القوة العسكرية، ويضمن الولاء الشعبي، ويُبقي شبكات النفوذ قائمة.
من هنا، تعتبر الإدارة الأميركية أنّ الخنق المالي سيؤدي حتمًا إلى ارتداد سياسي واجتماعي داخل لبنان، من خلال تقليص قدرة الحزب على تمويل مؤسساته، ودفع الرواتب، والحفاظ على حضوره الخدماتي.
في المقابل، يُدرك الحزب أنّ المعركة ليست مؤقتة، بل حرب استنزاف طويلة.
ولذلك، بدأ بإعادة هيكلة موارده واستقدام بدائل من أميركا اللاتينية، ولا سيما من فنزويلا وباراغواي والبرازيل، حيث النفوذ الأميركي أضعف نسبيًا.
لكنّ هذه الحلول تظلّ جزئية، إذ يظلّ النظام المالي الدولي تحت سيطرة واشنطن، ما يجعل كل محاولة التفافٍ مؤقتة ومكلفة.
ما يجري في الكونغو اليوم هو نموذجٌ دقيق عن شكل الحروب الجديدة التي تُخاض بلا دبابات ولا مدافع.
حروبٌ تُرسم خرائطها بالأرصدة، وتُخاض أدواتها عبر التحويلات والشبكات الرقمية، لا عبر الميادين.
واشنطن تعتبر أنّ تجفيف التمويل هو الطريق الأسرع لتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، فيما يحاول حزب الله الصمود عبر شبكاتٍ اقتصاديةٍ مرنة تُعيد تدوير المال في مساراتٍ بديلة.
لكن المعركة تتجاوز الحزب وحده.
فالكونغو أصبحت اليوم رمزًا لحربٍ عالمية صامتة تُعيد رسم توازنات القوة بين الشرق والغرب، وتؤكّد قاعدة واحدة:
من يملك المال… يملك القرار. ومن يملك القرار، يملك المستقبل.

