خديعة الفوائد العالية: كيف بنى لبنان أزمته المصرفية بيديه؟
بقلم: د. ميراي زيادة
لم تكن الأزمة المالية في لبنان نتيجة صدمة مفاجئة، بل حصيلة مسار طويل من السياسات المصرفية الخاطئة التي راكمت هشاشة النظام حتى انهار. فقد تبنّت المصارف التجارية نموذجًا ربحيًا قصير الأمد، متكئةً على ثقة المغتربين بفوائد مرتفعة، ومتغاضيةً عن ضعف الاقتصاد المنتج. ومع الوقت، تحوّل هذا السلوك من خطأٍ مالي إلى خيارٍ استراتيجي خاطئ غيّر وجه الاقتصاد اللبناني.
منذ مطلع الألفية، انخرطت المصارف اللبنانية في سباقٍ لجذب الودائع بالعملة الأجنبية.
كان الهدف المعلن تعزيز الاستقرار النقدي، لكن الوسيلة كانت رفع الفوائد إلى مستويات غير منطقية. وبذلك، أصبحت السيولة هدفًا بحدّ ذاتها بدل أن تكون وسيلة لتمويل النمو. ارتفعت كلفة الأموال إلى حدّ جعل المصارف غير قادرة على توظيفها في مشاريع حقيقية، فاختنق الاقتصاد بوفرةٍ شكليةٍ من السيولة غير المنتجة.
حين عجزت المصارف عن إيجاد فرص استثمارية محلية مجدية، لجأت إلى الطريق الأسهل: تمويل الدولة.
اشترت بكثافة سندات الخزينة وشهادات الإيداع لدى مصرف لبنان، مستفيدة من الفوائد العالية والمخاطر المضمونة على الورق. هكذا، تحوّلت من أداة تنموية إلى ذراع مالية للسلطة السياسية، فارتبط مصيرها بمالية الدولة، وبدأت حلقة التبعية المتبادلة التي ستنفجر لاحقًا.
تدفق المال العام بلا موازنةٍ منضبطة ولا رقابةٍ حقيقية، بينما تراجعت القروض الإنتاجية، وتقلّص دور المصرف كمحرّكٍ للنمو.
بلغت الودائع نحو 175 مليار دولار في اقتصادٍ لا يتجاوز ناتجه المحلي 55 مليارًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف قدرته الاستيعابية.
لم يكن ممكنًا توظيف هذه السيولة في إنتاج فعلي، فبقيت عالقةً في دوائر الدين العام والمصرف المركزي.
تكوّن ما يشبه الفقاعة المالية التي اعتمدت على تدفقات المغتربين للحفاظ على التوازن، من دون أي قاعدة إنتاجية حقيقية. وعندما تباطأت هذه التدفقات، بدأت الانكشافات تتوالى.
في محاولةٍ لتمويل الخزينة والحفاظ على سعر الصرف الثابت، أطلق مصرف لبنان ما عُرف بالهندسات المالية.
قدّمت هذه العمليات للمصارف أرباحًا ضخمة وسريعة، لكنها كرّست اعتمادها على المال السهل. فبدل أن تموّل قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، فضّلت المصارف استثمار رأس المال في المصرف المركزي، حيث الأرباح مضمونة والمخاطر معدومة.
تحوّل الاقتصاد إلى دائرة مغلقة من الفوائد المتبادلة، وفقدت المصارف الحافز على دراسة المشاريع أو دعم الإنتاج، فترسّخ النموذج الريعي بدل النمو الحقيقي.
بمجرد توقّف تدفّق الدولار عام 2019، انكشفت هشاشة المنظومة.
لم تكن المصارف تمتلك السيولة الكافية لتلبية طلبات المودعين، ولا الدولة قادرة على سداد التزاماتها.
انهارت الثقة، وظهرت المقارنة المؤلمة مع نموذج البونزي، حيث تُغطّى الودائع القديمة بأموالٍ جديدة إلى أن تتوقّف اللعبة.
تلاشت صورة المصرف كمؤسسة ثقة، وتحول إلى رمزٍ للانهيار.
انغلاق المصارف على الداخل جعلها رهينةً للسياسة المحلية والأزمات. لم تستثمر في الخارج، ولم تنوّع مصادر أرباحها، ففقدت القدرة على الصمود أمام أي اهتزاز.
وحين انهار النظام السياسي والمالي معًا، سقطت المصارف من دون شبكة أمانٍ أو بدائل.
تكشف التجربة اللبنانية أنّ الأزمة لم تكن نقدية فحسب، بل فكرية في جوهرها:
فالمصارف التي كان يفترض أن تموّل التنمية، موّلت العجز. والتي كان عليها أن تخلق الثروة، اكتفت بجمع الفوائد.
لقد شاركت عن وعيٍ في بناء نظامٍ هشّ يربح من الريع ويخسر في الإنتاج.
إن إصلاح القطاع المصرفي لا يمرّ عبر الهندسات أو القوانين فقط، بل عبر إعادة تعريف دوره في الاقتصاد الوطني:
من شريكٍ في الإنفاق إلى شريكٍ في النمو،
ومن تابعٍ للسلطة إلى داعمٍ للثقة العامة،
ومن عقلٍ ماليٍّ مغلق إلى ضميرٍ اقتصاديٍّ منتج.

