بقلم د. ميراي زيادة- في صباح الثالث عشر من تشرين الأول 2025، بدا أنّ المنطقة أفاقت من غيبوبةٍ طويلة. فمع خروج الرهائن الإسرائيليين من غزة بعد عامين من الاحتجاز، خيّم على المشهد شعورٌ بأنّ الحرب التي استنزفت الجميع وصلت إلى نهايتها. وفي شرم الشيخ، حيث اجتمع قادة العالم في قمةٍ دولية سريعة الإعداد، تبلورت لحظةٌ سياسية حاسمة: السّلام هذه المرة لا يُوقَّع بعد نصرٍ عسكري، بل بعد إدراكٍ جماعي أنّ الحروب لم تعد تنتج سوى العدم
القمة التي رعتها واشنطن والقاهرة جاءت تتويجًا لأسابيع من مفاوضاتٍ دقيقة أعادت تعريف مفهوم الردع في المنطقة.
لم يكن الهدف إعلان “انتصارٍ على أحد”، بل إعادة توجيه القوّة نحو السلام. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى المشهد الشرق أوسطي بثقةٍ غير مسبوقة، قدّم رؤيته الخاصة: لا تهجير، لا ضمّ، ولا حروب استباقية بعد اليوم.
ومن خلال زيارته القصيرة لتل أبيب وخطابه أمام الكنيست، حاول إقناع الإسرائيليين بأنّ المستقبل ليس في التفوّق العسكري بل في القدرة على إدارة السلام من موقع القوّة.
بهذه المقاربة، نقل ترامب الملف من منطق “الردع بالنار” إلى “الردع بالتفاهم”، جاعلًا من وقف الحرب نقطة انطلاقٍ لنظامٍ سياسي-أمني جديد.
وفي المقابل، كانت مصر قد أعدّت الأرضية العملية لهذا التحوّل.
فمنذ بدايات الحرب، تعاملت القاهرة مع الملف الفلسطيني ببراغماتيةٍ محسوبة: منعت التهجير، فتحت خطوط التفاوض، واحتضنت الفصائل المتنازعة دون ضجيج.
وحين توقفت المعارك، أصبحت صاحبة المبادرة في تصميم “اليوم التالي”.
دور مصر اليوم لا يقتصر على الوساطة، بل يتجاوزها إلى الإشراف على إدارة المرحلة الانتقالية في غزة: تدريب الأجهزة الفلسطينية، ضبط الأمن، وتأمين مسار الإعمار ضمن شراكةٍ دولية.
وبذلك استعادت القاهرة موقعها كضامنٍ إقليميٍ أساسٍ، لتثبت أنّ الاستقرار في المشرق لا يمكن أن يُبنى خارج مظلتها.
خارج هذا الإطار، بدا بنيامين نتنياهو كمن خرج من المشهد قبل أن يُقال له ذلك.
فالسلام الجاري ترتيبه لا مكان فيه لخطاب المزايدة ولا لعقلية “التهديد الدائم”.
الداخل الإسرائيلي نفسه انقسم؛ جزءٌ كبير من الرأي العام رأى في ترامب “الزعيم الذي أنهى الفوضى”، لا “الحليف الذي خفف الضغط”.
وللمرة الأولى، وجدت إسرائيل نفسها مدعوةً إلى التصرّف كطرفٍ في منظومةٍ أوسع، لا كقوةٍ منفلتة من قواعدها.
على الضفة الأخرى من المشهد، تابعت إيران التطورات بصمتٍ ثقيل.
فالقمة التي أعادت الاعتبار للمسار العربي-الدولي جرّدتها من ورقةٍ طالما استخدمتها للتأثير في القرار الفلسطيني.
الضربة التي تلقّاها برنامجها النووي قبل أسابيع دفعتها إلى الحذر، وغيابها عن شرم الشيخ كشف حدود قدرتها على تعطيل هذا المسار.
هكذا انتقل النفوذ من العواصم التي ترفع شعارات المقاومة إلى العواصم التي تصوغ التوازن.
بانتهاء عملية تبادل الرهائن، بدأت المرحلة الأكثر حساسية: تثبيت وقف النار وتشكيل إدارةٍ انتقالية للقطاع.
الرهان الآن على قدرة الأطراف على احترام التزاماتها، إذ يعتمد نجاح الاتفاق على تماسك الجبهة الفلسطينية، وضبط الميدان الإسرائيلي، واستمرار الضغط الأميركي-المصري لضمان تنفيذ البنود.
الهدف ليس فقط إنهاء الحرب، بل تحويل الهدوء إلى بنيةٍ سياسيةٍ دائمة تمنع العودة إلى نقطة الصفر.
ما يجري اليوم يتجاوز حدود غزة. فالقوى الإقليمية، من الخليج إلى مصر، تسعى إلى استثمار الاستقرار في مشاريع اقتصادية مشتركة تُعيد وصل ما انقطع.
وفي المقابل، تبقى دول المشرق الغارقة في أزماتها أمام فرصةٍ لإعادة التموضع ضمن منظومةٍ أكثر عقلانية.
إنها ليست تسوية نهائية بعد، لكنها بداية عصرٍ جديد تُدار فيه المصالح بدل الانفعالات، وتُبنى التحالفات على الأرض لا على الشعارات.
الثالث عشر من تشرين الأول 2025 لن يُذكر كيوم إطلاق رهائن فحسب، بل كيومٍ غيّر طريقة تفكير المنطقة بنفسها.
منذ عقود، كانت الحروب تُدار باسم البقاء، أمّا اليوم فبدأت فكرة البقاء تُدار باسم السلام.
القاهرة عادت إلى مركزها الطبيعي، وواشنطن استعادت نفوذها عبر التهدئة لا الفرض، وإسرائيل اكتشفت أنّ أمنها يبدأ من التفاهم لا من التوسع.
هكذا، بعد زمنٍ طويل من الفوضى، تعلّم الشرق الأوسط درسه الأهم:
السّلام لا يولد من ضعف، بل من شجاعة الاعتراف بأنّ القوّة بلا رؤية لا تُنقذ أحدًا!!!

