عودة وزارة الحرب: رؤية هيغست لإعادة بناء القوة القتالية
كتبت د. ميراي زيادة
في خطابٍ حمل نَفَسًا تاريخيًا وإصلاحياً صارماً، أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغست أنّ المؤسسة العسكرية الأميركية يجب أن تتخلى عن صفة “الدفاع” وتستعيد هويتها كـ”مؤسسة قتالية”. افتتح حديثه قائلاً: “صباح الخير، وأهلًا بكم في وزارة الحرب”، في إشارة واضحة إلى أنّ تغيير الاسم من “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب” ليس شكليًا، بل فلسفة جديدة تعكس حقيقة الدور: فالسلام يُصان بالاستعداد للحرب لا بالانسحاب منها.
وأكد هيغست أنّ أي برنامج أو خطة أو إصلاح لا يمكن أن ينجح ما لم يكن الأشخاص والثقافة في قلب المؤسسة على المستوى الصحيح. فالثقافة المطلوبة هي ثقافة قتالية لا اعتذارية: احترافية، كفوءة، مرنة، مغامرة، ومخلصة للدستور. وبذلك، وضع خطًا فاصلًا بين ما وصفه بـ”التشويشات السياسية” التي أضعفت فعالية المؤسسة خلال السنوات الماضية، وبين الرؤية الجديدة القائمة على الصرامة والانضباط.
وجاءت أولى إصلاحاته من الأساس: اللياقة البدنية . فقد أعلن فرض اختبارين سنويين على جميع العسكريين، أحدهما الاختبار التقليدي والآخر اختبار ميداني قتالي لجنود الوحدات القتالية. أما الحرس الوطني والاحتياط فسيخضعون لاختبار واحد سنوي على الأقل. كما شدّد على أنّ المعايير ستكون موحدة وجندرية محايدة، بحيث يلتزم كل من يخدم في وظائف قتالية بالمعايير “الرجولية” بنسبة نجاح لا تقل عن 70%. وربط بين المظهر والاحتراف، معلنًا منع إطلاق اللحى داخل القوات، ومؤكدًا أنّ الانضباط يبدأ من الهيئة.
وانتقل هيغست إلى قضية القيادة، معتبرًا أنّ القادة في الماضي عانوا من “ثقافة الخوف”؛ خوف من الشكاوى، من الانتقادات، ومن وسمهم كـ”قادة سامّين”.
لكنّه أعاد تعريف القيادة السامّة لتصبح: القيادة التي تهدد حياة الجنود بسبب تدني المعايير وضعف الانضباط. وبذلك، يعاد تمكين القادة لفرض الصرامة بلا تردد، مع إصلاحات في نظام تكافؤ الفرص لضمان ألا يتحول إلى أداة انتقام أو شلّ للقرار.
وفي سياق الترقيات، أعلن أنّها ستُبنى على الأداء لا على الأقدمية . المتميزون سيتقدمون بسرعة، أما الضعفاء فسيُقصون بسرعة. التقييمات ستصبح واقعية ومبنية على التدريب الميداني والتمارين العملية، لا على ملء النماذج الورقية. كما وعد بتقليص التدريب البيروقراطي الإجباري عبر الإنترنت، مقابل زيادة الوقت في الميدان، على الساحات التدريبية، وفي ساحات الرماية.
أما بالنسبة لمكتب المفتش العام، فقد وصف هيغست العملية الحالية بأنها استُخدمت كسلاح بأيدي المشتكين والضعفاء، معلنًا إعادة ضبط دورها بما يمكّن القادة من القيادة بلا خوف. لكنه في الوقت نفسه أكد أنّ جرائم العنصرية والتحرش ستُعاقب “بقسوة مطلقة”. كما أشار إلى أنّ الأخطاء البسيطة أو الصادقة لن تلاحق العسكريين طوال حياتهم المهنية، منعًا لخسارة جنود جيدين بسبب هفوات صغيرة.
الخيط الناظم لهذه الإصلاحات هو “إعادة السلطة للقادة” . فكما قال: “هذه التوجيهات وُضعت لإزالة القيد عن أكتافكم ووضع القيادة مجددًا في أيديكم”. ودعا القادة إلى التحرك بسرعة وبثقة، رافضًا عقلية “اللعب من أجل عدم الخسارة”، مؤكدًا أنّ المؤسسة بحاجة إلى قادة يقاتلون للفوز لا للبقاء.
وقد تكلّل الخطاب بحضور الرئيس دونالد ترامب، الذي منح الإصلاحات غطاءً سياسيًا كاملًا. وفي رسالة مشتركة، شدد هيغست أنّ “القائد الأعلى إلى جانبكم”، في إشارة إلى أنّ ما يُطرح ليس مجرد رؤية وزير، بل سياسة إدارة بكاملها.
في المحصلة، يشكل هذا الإعلان تحولًا جذريًا في عقيدة المؤسسة العسكرية الأميركية: من عقلية دفاعية مترددة، إلى ثقافة قتالية صلبة لا تعرف الاعتذار. إنه خطاب موجه للجنود بأن قادتهم استعادوا سلطتهم، وموجه في الوقت نفسه إلى الخصوم في الخارج بأن الولايات المتحدة لن تكتفي بردع الحرب، بل ستسعى للفوز بها إذا فُرضت عليها.

