بقلم د.ميراي زيادة
في خطوة حملت أبعاداً سياسية ومالية تتجاوز الطابع البروتوكولي، انتُخب حاكم مصرف لبنان كريم الصعيد رئيساً لمجلس محافظي الصندوق العربي، في تطور قرأته الأوساط المالية العربية والدولية كإشارة إلى عودة لبنان تدريجياً إلى الخريطة المالية العربية بعد سنوات من الانهيار والعزلة النقدية.
الحدث لم يُنظر إليه فقط كمنصب إداري داخل مؤسسة مالية عربية، بل كرسالة سياسية ومالية تعكس تبدّلاً في طريقة مقاربة الدول العربية للواقع اللبناني، وخصوصاً بعد مرحلة طويلة اهتزت فيها صورة مصرف لبنان والمؤسسات النقدية اللبنانية أمام الخارج.
الصحافة الاقتصادية والمالية قرأت هذا التطور من ثلاث زوايا أساسية:
أولاً: عودة لبنان إلى الواجهة المالية العربية
عدد من الصحف والمحللين اعتبروا أن انتخاب حاكم مصرف لبنان لرئاسة مجلس المحافظين يعني أن الدول العربية بدأت تعيد فتح قنوات الثقة مع المؤسسات المالية اللبنانية، رغم الأزمة العميقة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019.
فالمنصب لا يُعطى عادةً فقط على أساس إداري، بل يعكس موقع الدولة داخل المنظومة النقدية والمالية العربية.
ثانياً: محاولة إعادة بناء صورة مصرف لبنان
جزء كبير من التحليلات ربط الحدث بمحاولة إعادة ترميم صورة مصرف لبنان بعد سنوات الانهيار والاتهامات التي رافقت المرحلة السابقة.
ورأت بعض القراءات أن وجود كريم الصعيد في موقع عربي متقدم قد يُستخدم لإظهار أن لبنان يحاول استعادة حضوره النقدي والمؤسساتي عربياً ودولياً، وفتح صفحة مختلفة عن مرحلة الانهيار المالي.
ثالثاً: رسالة مرتبطة بالإصلاحات وصندوق النقد
الصحافة الاقتصادية ركّزت أيضاً على أن تعزيز موقع حاكم مصرف لبنان عربياً قد يساعد بيروت على:
تحسين قنوات التواصل مع المؤسسات المالية العربية،
جذب دعم أو استثمارات جديدة،
تقوية موقع لبنان في أي مفاوضات مالية دولية،
وإعطاء إشارة بأن هناك غطاءً عربياً لمحاولة إعادة هيكلة القطاع المالي اللبناني.
لكن رغم أهمية الخطوة، بقيت بعض التحليلات حذرة.
فالمنصب بحد ذاته لا يعني أن لبنان خرج من أزمته، لأن الاختبار الحقيقي يبقى داخلياً:
هل ستُطلق الإصلاحات الفعلية؟
هل ستُعاد هيكلة القطاع المصرفي؟
هل ستعود أموال المودعين؟
وهل يستطيع لبنان استعادة الثقة المالية الحقيقية؟
الخلاصة السياسية والمالية التي تكاد تجمع عليها معظم القراءات: انتخاب كريم الصعيد رئيساً لمحافظي الصندوق العربي لا يعني نهاية الأزمة اللبنانية، لكنه يعني أن العالم العربي بدأ يفتح الباب مجدداً أمام لبنان، بانتظار أن يثبت بنفسه أنه قادر على الانتقال من الانهيار إلى الإصلاح.

