“هدوء ما قبل العاصفة”… المنطقة على حافة الانفجار الكبير
بقلم:د. ميراي زيادة
لم تعد المسألة اليوم ما إذا كانت الحرب ستقع أم لا، بل متى وكيف وأين ستنفجر أولى موجاتها الكبرى.
فالمنطقة دخلت فعليا مرحلة جديدة عنوانها الواضح: نهاية التفاوض المفتوح، وبداية الضغط العسكري التصاعدي.
عاد الرئيس الأميركي ترامب من الصين وهو يحمل ما هو أخطر من الاتفاقات التجارية والابتسامات الدبلوماسية. عاد بعدما حسم، عمليا، أن المفاوضات النووية مع إيران وصلت إلى حائط مسدود.
واشنطن تعتبر أن طهران لم تعد تفاوض من موقع الدفاع، بل من موقع فرض الشروط. وهذا التحول وحده كافٍ لتغيير قواعد اللعبة بالكامل.
إيران لم توافق على وقف التخصيب بالشروط الأميركية، ولم تسلّم اليورانيوم العالي التخصيب، ولم تقبل بالتراجع الاستراتيجي المطلوب. بل ذهبت أبعد من ذلك: نقلت التفاوض إلى ملف مضيق هرمز، ورفعت سقفها السياسي عبر المطالبة برفع الحصار والعقوبات وتحرير الأموال الإيرانية، وربط أي تسوية بوقف الحرب على كل الجبهات.
الأخطر أن الإدارة الأميركية بدأت تقتنع بأن الضربة العسكرية الأولى، رغم قسوتها، لم تحقق أهدافها السياسية الكاملة.
النظام الإيراني لم ينهَر.
الدولة لم تتفكك.
بل على العكس، استطاعت طهران امتصاص الضربة وإعادة إنتاج توازن ردع غير تقليدي، قائم على تهديد الاقتصاد العالمي، وتحريك الوكلاء الإقليميين، والتلويح بورقة هرمز والخليج والنفط والطاقة.
وهنا تكمن نقطة التحول الكبرى.
ترامب عاد من بكين بعدما ضمن، وفق المعطيات السياسية، تحييد الصين عن أي مواجهة واسعة مع إيران.
لم يطلب وساطة صينية، ولم يسعَ إلى اتفاق ثلاثي، بل حصل على ما هو أهم:
عدم تقديم دعم عسكري لإيران، إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، وعدم تعطيل أي تصعيد أميركي واسع في المنطقة.
بمعنى آخر:
واشنطن تعتبر أنها حرّرت نفسها من الفيتو الصيني.
ومن هنا بدأ الانتقال الفعلي إلى مرحلة “هدوء ما قبل العاصفة”.
اليوم، ترى الإدارة الأميركية أن التراجع أمام إيران سيُقرأ كهزيمة سياسية واستراتيجية مدوية، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أمام العالم بأسره. لذلك أصبح خيار الحرب أكثر حضورا داخل دوائر القرار الأميركية، ولو تحت عنوان “الضغط لإجبار إيران على التراجع”.
لكن ماذا يعني ذلك عمليا؟
يعني أن السيناريوهات العسكرية لم تعد نظرية.
الحديث يدور عن ضرب البنية التحتية الإيرانية: الكهرباء، الجسور، منشآت الطاقة، المرافق الحيوية، بهدف شل الاقتصاد الإيراني وإضعاف قدرة الدولة على الصمود.
والحديث أيضا عن تشديد الحصار البحري، وربما الذهاب إلى سيناريو السيطرة على جزيرة خرج النفطية، ما يفتح الباب أمام أخطر الاحتمالات: إغلاق هرمز، استهداف الخليج، وانفجار أسعار النفط عالميا.
أما السيناريو الأخطر، فهو العمليات الخاصة داخل إيران للسيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب ومنع تحول إيران إلى دولة على عتبة النووي العسكري.
لكن إيران، بدورها، تراهن على الوقت.
تراهن على تراجع شعبية ترامب داخليا، وعلى الانتخابات النصفية الأميركية، وعلى خوف واشنطن من حرب طويلة، وعلى ضغط الاقتصاد العالمي، وعلى أن العالم لا يحتمل انفجارا نفطيا جديدا ولا فوضى شاملة في الخليج.
إنها لعبة عض أصابع كبرى… لكن هذه المرة فوق برميل بارود إقليمي.
أما لبنان، فهو يقف في قلب العاصفة المقبلة.
لأن أي مواجهة واسعة ستزيد من حدة جبهة الجنوب تلقائيا، وستضع لبنان مجددا في قلب استراتيجية الضغط الإيرانية.
ولأن أي إعادة تشكيل للأمن القومي في المنطقة ستعني ضغوطا دولية غير مسبوقة لتثبيت حصرية السلاح، وتوسيع انتشار الجيش اللبناني، وفرض ترتيبات جديدة لما بعد الحرب.
وفي حال انفجار هرمز، فإن لبنان سيكون من أوائل المتضررين:
ارتفاع هائل بأسعار النفط، تراجع التحويلات والاستثمارات الخليجية، ضغط مالي واقتصادي غير مسبوق، واحتمال دخول البلاد في مرحلة اهتزاز أمني واجتماعي خطير.
لهذا، لم يعد أمام الدولة اللبنانية ترف الانتظار أو إدارة الوقت.
المطلوب رفع الجهوزية الأمنية والعسكرية فورا، حماية المرافئ والمطار والبنى التحتية الحساسة، إنشاء خلية أزمة اقتصادية نفطية، وتمكين قنوات دبلوماسية عاجلة مع السعودية وفرنسا والولايات المتحدة وقطر ومصر لمنع تحويل لبنان إلى صندوق بريد إقليمي للحروب.
المنطقة تتجه نحو مواجهة قد تكون محدودة… وقد تتحول إلى حرب هجينة كبرى بين النار والحصار والاقتصاد والطاقة.
أما لبنان، فبات أمام لحظة وجودية حقيقية:
إما تثبيت الدولة والمؤسسات والحياد العملياتي، وإما العودة إلى زمن الانهيارات المفتوحة على كل الاحتمالات.

