بقلم:د.ميراي زيادة
يصعب التعامل مع قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بالخروج من أوبك وأوبك بلاس كخطوة تقنية محكومة بحسابات الحصص والإنتاج فقط. فالمؤشرات التي رافقت القرار، لا سيما تلك الصادرة من واشنطن، توحي بأن ما يجري يتجاوز منطق السوق إلى منطق إعادة التموضع داخل شبكة النفوذ الدولي.
فالربط الذي قدّمه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بين هذه الخطوة وطلب الإمارات عقود مبادلة عملات مع الاحتياطي الفيدرالي، يكشف بوضوح أن المسألة لا تتعلق فقط بالنفط، بل بالدولار أيضًا. وعندما يترافق ذلك مع ترحيب دونالد ترامب، الذي رأى في القرار فرصة محتملة لخفض أسعار النفط، يصبح من الواضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى هذه الخطوة كجزء من إعادة ترتيب أوسع في موازين القوة.
هذا التحوّل لا يمكن فصله عن السياق التاريخي للصراع بين واشنطن وأوبك، وهو صراع يعود إلى حظر النفط 1973، حين تحوّل النفط لأول مرة إلى أداة ضغط جيوسياسية. منذ ذلك الحين، عملت الولايات المتحدة على تقليص قدرة المنتجين على التأثير الجماعي، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة أو من خلال تطوير قدراتها الذاتية في الإنتاج.
وقد نجحت بالفعل في ذلك إلى حد بعيد. فبفضل الطفرة في إنتاج النفط الصخري، تحوّلت إلى أكبر منتج عالمي، متجاوزة 13.6 مليون برميل يوميًا، ما أدى إلى تراجع حصة “أوبك” بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي. هذا التحول لم يلغِ دور المنظمة، لكنه حدّ من قدرتها على فرض إيقاعها على السوق كما في السابق.
في مواجهة هذا التراجع، جاء إطلاق تحالف “أوبك بلاس” كمحاولة لإعادة تجميع القوة الإنتاجية. فقد نجحت المملكة العربية السعودية في استقطاب روسيا ومنتجين كبار آخرين، ما أعاد للتحالف وزنًا مؤثرًا يصل إلى نحو 40% من الإنتاج العالمي. والأهم أن هذا التحالف أثبت قدرته على الصمود، حتى في أصعب اللحظات، مثل انهيار الأسعار خلال جائحة كورونا، حيث عاد سريعًا إلى التماسك بفضل إدارة قائمة على التوازن والتنسيق.
إلا أن هذا التماسك لم يكن خاليًا من التباينات. فقد شكّل عام 2021 نقطة تحوّل عندما طالبت الإمارات برفع خطها الأساسي للإنتاج، في خطوة عكست رغبتها في الاستفادة من قدراتها المتنامية. ورغم التوصل إلى تسوية آنذاك، فإن ذلك الخلاف كشف عن اختلاف في الرؤية داخل التحالف بين من يفضّل الالتزام الجماعي ومن يسعى إلى توسيع هامش الحركة الفردية.
ومن هنا، تبدو المبررات التقنية التي قُدمت اليوم غير كافية لتفسير قرار الخروج. فآليات مراجعة الحصص التي أُقرت لاحقًا داخل “أوبك بلاس” كانت تهدف أساسًا إلى معالجة مثل هذه الإشكاليات، من خلال اعتماد معايير موضوعية للطاقة الإنتاجية المستدامة. كما أن واقع السوق يُظهر أن معظم الدول المنتجة تعمل دون طاقتها القصوى، في إطار التزامات جماعية تهدف إلى حماية الأسعار.
بالتالي، فإن القراءة الأكثر ترجيحًا هي أن القرار يعكس تحولًا في الأولويات الاستراتيجية أكثر مما يعكس خلافًا تقنيًا. فالإمارات، التي عززت موقعها كمركز مالي واقتصادي عالمي، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى اعتماد مقاربة مرنة في تحالفاتها، تتيح لها التحرك ضمن أكثر من محور، بدل الارتباط الصارم بإطار جماعي واحد.
في هذا السياق، يصبح الترحيب الأميركي، وكذلك الإسرائيلي، مفهومًا. فإضعاف التحالفات الإنتاجية الكبرى يفتح المجال أمام سوق أكثر مرونة من جهة، ويحدّ من قدرة أي تكتل على استخدام النفط كأداة ضغط من جهة أخرى. وهو ما يتقاطع مع مصلحة القوى الغربية في إبقاء سوق الطاقة ضمن نطاق تأثيرها.
في المحصلة، لا يعكس القرار الإماراتي مجرد خروج من منظمة، بل يعكس تحوّلًا في طريقة التعاطي مع النفط نفسه. فبينما كان النفط في الماضي أداة للتنسيق الجماعي وفرض النفوذ، يبدو أنه يتجه اليوم ليصبح جزءًا من لعبة أوسع، تتداخل فيها السياسة والمال والتحالفات.

