بقلم: د. ميراي زيادة
مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار إلى التقاعد في 25 نيسان الجاري، يدخل لبنان مرحلة دقيقة تُفتح فيها واحدة من أكثر المعارك حساسية داخل مؤسسات الدولة: معركة اختيار من سيتولى منصب مدعي عام التمييز.
هذا الاستحقاق لا يُختزل بتعيين إداري روتيني، بل يتجاوز ذلك ليطال توازنات السلطة، ومسار العدالة، وحدود العلاقة بين القضاء والسياسة في البلاد.
في ظل واقع قضائي محدود التأثير على مستوى التعيينات الكبرى، يبقى الحسم عملياً بيد التوافق السياسي، لا سيما بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مع مراعاة الأعراف الطائفية التي كرّست هذا المنصب للطائفة السنية، ما يمنح رئاسة الحكومة هامشاً وازناً في عملية الاختيار.
الأسماء المطروحة… وصراع النفوذ
تتصدر ثلاثة أسماء المشهد حتى الساعة:
القاضي ربيع الحسامي (مدعوم من رئيس الجمهورية)
القاضي أحمد رامي الحاج (مدعوم من أوساط قريبة من رئيس الحكومة)
القاضية رولا عثمان (مطروحة من داخل مجلس القضاء الأعلى كخيار إصلاحي يعزز حضور المرأة)
في المقابل، لا تُستبعد مفاجآت اللحظة الأخيرة، مع تداول أسماء إضافية مثل:
القاضي أسامة منيمنة
القاضي محمد المصري
القاضي علي عواجي
في سيناريو يعكس طبيعة التسويات اللبنانية.
لا تقتصر أهمية مدعي عام التمييز على كونه رأس النيابات العامة، بل يشكّل:
المرجعية الأولى للضابطة العدلية
حلقة الوصل بين القضاء والأجهزة الأمنية
الجهة المخوّلة إدارة التعاون القضائي الدولي
وقد تضاعف وزن هذا الموقع في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع تعقّد الملفات ذات البعد الأمني والدولي.
المدعي العام التمييزي المقبل سيكون في قلب ملفات شديدة الحساسية، أبرزها:
التحقيقات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت
التنسيق مع دول الخليج في قضايا تهريب المخدرات، لا سيما “الكبتاغون”
طلبات التعاون القضائي والأمني المرتقبة من دول عربية
متابعة ملفات مرتبطة بخلايا يُشتبه بارتباطها بـحزب الله
وهي ملفات تضع هذا المنصب عند تقاطع الأمن الإقليمي والسيادة القضائية.
في ظل التصعيد الإقليمي والتوترات الداخلية، لن يكون أمام المدعي العام الجديد هامش واسع للمناورة، بل سيجد نفسه أمام اختبار مباشر في إدارة ملفات تتداخل فيها السياسة بالأمن، والقانون بالضغوط الدولية.
في لبنان، لا يُعيَّن مدعي عام التمييز فقط… بل يُرسم مسار العدالة للمرحلة المقبلة.
فالاسم الذي سيُختار لن يكون مجرّد قاضٍ، بل لاعباً محورياً في ملفات تتقاطع فيها السيادة بالأمن، والقانون بالسياسة.
وبين ضغوط الداخل وترقّب الخارج، يبقى الرهان:
هل تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة الاعتبار إلى القضاء… أم محطة جديدة تُكرّس واقع التسويات؟

