بقلم:د.ميراي زيادة
حين تفاوض إيران الولايات المتّحدة، لا تسمّي ذلك تنازلاً. تسمّيه حنكة.
وحين ترسل رجالها إلى الطاولة، تحت النار أو فوقها أو من تحتها، لا تعتبر نفسها قد خانت خطابها، بل تعتبر أنّها تدير مصالحها بعقل الدولة.
فجأة يصبح التفاوض “فنّاً”، ويغدو المفاوض “صانع سجاد” ماهراً ينسج الخيط حيث يجب، ويفكّه حيث يجب، وتُكتب المقالات والأطروحات في مديح البراغماتيّة الإيرانيّة كلّما قرّرت طهران أن تتكلّم مع “الشيطان الأكبر”.
لكن في لبنان، يحدث العكس تماماً.
يكفي أن يُطرح التفاوض حتّى تستيقظ قواميس التخوين، ويبدأ التهرّب المسبق من المسؤوليّة، كأنّ اللبنانيّ محكوم عليه أن يدفع أثمان الحروب فقط، لا أن يفتح باب الخروج منها.
من هنا لا يعود السؤال عن اسم محمّد باقر قاليباف مجرّد تفصيل إيرانيّ. سواء صحّت التسريبات أو لم تصحّ، يكفي أنّ اسمه طُرح حتّى ينكشف التناقض كلّه: إذا كان التفاوض مباحاً لإيران حين تقتضي مصلحتها ذلك، فلماذا يصبح محرّماً على لبنان حين تتعلّق المسألة ببقائه؟ وإذا جاز لقاليباف أن يفاوض ويتكوف، فلماذا لا يجوز لنبيه برّي أن يفاوض من أجل وقف النار، وحماية الجنوب، ومنع تحويل الشيعة مرّة جديدة إلى وقود في حسابات الآخرين؟
السؤال هنا ليس لإحراج برّي، بل لوضعه أمام لحظته.
فهو ليس رجلاً غريباً عن التفاوض، ولا سياسياً طارئاً على توازنات البلد. يعرف أكثر من غيره أنّ السياسة لا تُدار بالشعارات، بل بموازين القوى، وأنّ ما لا يُنتزع في الميدان يُنتزع أحياناً من الطاولة، وأنّ الدول لا تعيش على الخطابات بل على حساب الكلفة والمصلحة.
وربّما يعرف أيضاً ما هو أخطر: أنّ هذه الحرب لا تفتح للبنان أفقاً جديداً.
في أفضل الأحوال، أقصى ما يمكن أن تنتجه هو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؛ أي إلى ما قبل الانفجار الكبير، لا إلى ما بعده. وهذا وحده كافٍ لإسقاط أيّ وهم بأنّ الحرب يمكن أن تتحوّل إلى رصيد داخليّ أو فائض شرعيّة.
الحروب التي لا تنتج معادلة جديدة لا تصنع انتصاراً، بل تصنع استنزافاً طويلاً يُستهلك فيه البلد والناس والبيئة الحاضنة معاً.
لهذا يبدو الرهان على أن تخرج هذه الحرب بمكسب سياسيّ داخليّ لـ”الحزب” رهاناً في غير محلّه.
هي قد تغيّر في النار، لكنّها لا تغيّر في الحقيقة الكبرى: لا إعادة إعمار بلا دولة، ولا دولة مع سلاح فائض، ولا عودة عربيّة ولا أموال ولا استثمارات إلى بلد لم يحسم بعد إن كان يريد أن يكون وطناً أم ساحة.
وبرّي يعرف أكثر من غيره أنّ الرهان على إيران له سقفه دائماً.
طهران تفاوض حين تحتاج، وتقاتل حين تريد، وتستخدم ساحاتها وفق أولويّاتها هي، لا وفق أولويّات اللبنانيّين. وإذا خرجت رابحة من أيّ تسوية، فلن تكون قرى الجنوب ولا بيوت ناسه بندها الأوّل.
وفي المقابل، ماذا عن لبنان؟
لم يعد السؤال إن كنّا نفاوض أم لا… بل: من يجرؤ أن يفاوض؟
من يرفض التفاوض اليوم لا يحمي البلد، بل يسلّمه للانهيار.
ومن يتهرّب من القرار، يترك مصير لبنان يُكتب على طاولة لا يجلس إليها.
إمّا أن يفاوض لبنان ليحمي نفسه… أو يُحكَم عليه أن يبقى ساحة تُدار، لا دولة تقرّر.

