بقلم: د. ميراي زيادة
ليست فنزويلا تفصيلًا عابرًا في الحسابات الأميركية، بل عقدة سيادية مكتملة الأبعاد. ما يجري هو صراع على جوهر القرار:
من يمتلك النفط، من يحدّد مصيره، وأين تتموضع الدولة في النظام الدولي.
في قلب هذه المواجهة تقف دولة بثقلٍ نفطي استثنائي، وفي المقابل الولايات المتحدة التي ترى في أي خروجٍ عن مدارها سابقةً يجب كسرها قبل أن تتحوّل نموذجًا يُحتذى.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم، إلى جانب الغاز والمعادن وموقعٍ كاريبي بالغ الحساسية. هذا الثقل لم يكن نعمةً صافية؛ بل تحوّل إلى سببٍ مباشر للحصار. حين قرّرت الدولة استعادة مفاتيح موردها، تغيّر توصيفها .

التاريخ يعيد نفسه بأدوات جديدة
في مطلع القرن العشرين، عرفت فنزويلا حصارًا بحريًا أوروبيًا. اليوم تتبدّل العناوين وتبقى الآليات: عقوبات، خنق تمويلي، اعتراض شحنات. الجوهر واحد, عزل الدولة لإخضاعها. هكذا تمدّد مبدأ مونرو قديمًا، وهكذا تُدار الهيمنة بصيغٍ حديثة.
بُني النفوذ الأميركي تاريخيًا عبر شركات النفط والدولار. وكانت فنزويلا جزءًا من منظومة الطاقة الأميركية إلى أن انقلب المسار مع انتقالها من ملكيةٍ شكلية إلى سيطرةٍ تنفيذية:
تأميمٌ متدرّج بلغ ذروته في السبعينيات.
دورٌ مؤسِّس في أوبك لتعزيز القدرة التفاوضية.
ثم لحظة التحوّل مع هوغو شافيز: القرار داخل الدولة، والعائدات في السياسات العامة.
لم يُشهر شافيز الحرب؛ أعاد ترتيب العلاقة. لكن ربط النفط بتحالفات مع موسكو وبكين غيّر قواعد اللعبة. ومع نيكولاس مادورو، تزامن الإرث السيادي مع انهيار الأسعار وتشديد العقوبات، فتحوّل النفط من رافعةٍ إلى عنق زجاجة. العقوبات لم تكن عقابًا لشخص بقدر ما كانت استهدافًا لنموذج.
لماذا التصعيد الآن؟
لأن واشنطن ترى لحظة إنهاك مناسبة للضغط الأقصى.
لأن قنوات الالتفاف بدعم روسيا والصين تُقلقها استراتيجيًا.
لأن حرمان بكين من نفطٍ منخفض الكلفة هدفٌ غير مُعلن.
لأن ضرب فنزويلا يُضعف كوبا في الكاريبي.
ولأن الحسابات الداخلية الأميركية تُكافئ التشدد—خصوصًا في عهد دونالد ترامب.
فنزويلا ليست ساحة خلافٍ حكومي، بل اختبار سيادة.
الرسالة الأميركية واضحة: من يخرج عن المدار يدفع الثمن.
غير أنّ رسالةً موازية تتشكّل أيضًا: عالمٌ لم يعد يُدار من مركزٍ واحد، ونفطٌ لم يعد مجرّد براميل, بل قرار.

