بقلم: د.ميراي زيادة
لم يكن ما جرى في الروشة حدثًا عابرًا أو مجرد فعالية حزبية، بل كان مشهدًا يعكس صدامًا مفتوحًا بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الساعية لترسيخ سيادتها، ومشروع حزب الله المصرّ على تكريس حضوره كـ”دولة موازية”. لقد استُعيدت صورة 7 أيار 2008، ولكن هذه المرة في ثوب “شعبي مدني”، وكأنّ بيروت تعيش اختبارًا جديدًا حول هويتها: هل تبقى عاصمة لكل اللبنانيين، أم تتحول إلى ساحة نزاع على الولاء والقرار؟
منذ تكليفه، وجد رئيس الحكومة نواف سلام نفسه في مواجهة مفتوحة مع حزب الله الذي اعتبره امتدادًا لقرار سعودي – أميركي. ومع قرار 5 آب 2025 بحصر السلاح بيد الجيش، أصبحت المواجهة مباشرة. أراد سلام أن يثبت أن الدولة قادرة على فرض قراراتها، فيما الحزب قرر أن يبرهن العكس عبر مشهد الروشة. ولعل إضاءة صورة رفيق الحريري وحسن نصرالله معًا لم تكن مجرد صدفة، بل محاولة لفرض رواية جديدة للتاريخ، رواية تستفز جمهورًا واسعًا في بيروت وترسّخ سردية الحزب.
هذا المشهد لم يترك أثرًا رمزيًا فقط، بل ضرب ما تبقّى من ثقة بين سلام والحزب، ودفع الحكومة إلى دائرة التعطيل. كما أنه فتح الباب أمام تجدد التوتر الطائفي، وأعاد الأسئلة الكبرى حول “ملكية” العاصمة وهوية الدولة. وفي عين التينة، بدا الرئيس نبيه بري مستاءً، لكن هذا الاستياء فُسّر بطريقتين: إمّا أنّه فقد تأثيره على الحزب، أو أنه يوزع الأدوار معه. في الحالتين، برزت إشارة إلى خلخلة ما في الساحة الشيعية نفسها.
أما المؤسسة العسكرية، التي كانت دائمًا صمام أمان، فقد وجدت نفسها موضع انتقاد علني، بعدما اتُّهمت بالتقاعس أو حتى بحماية الفعالية. وهنا، جاء ظهور وفيق صفا في قلب الروشة كرسالة مضاعفة: الحزب لا يزال ممسكًا بالأرض، وصفا لا يزال رجل القرار الأمني رغم كل محاولات التهميش.
إقليميًا، لم يكن المشهد أفضل حالًا. زيارة الرئيس جوزف عون إلى نيويورك لم تحصد ما كان مأمولًا: لم يلتقِ الرئيس الأميركي، ولم يُدعَ لاجتماعات القادة العرب، ولم يصدر بيان رسمي عن لقاءاته. هذه البرودة الأميركية تعبّر عن حقيقتين: أنّ لبنان لم يعد أولوية، وأن سياسات الحكومة اللبنانية لا تنسجم مع مقاربة واشنطن. ومع مغادرة طوم براك لمهمته وانتقال الملف اللبناني إلى مكتب الأمن القومي، يُتوقع أن تكون المقاربة المقبلة أكثر صرامة.
وفي الوقت نفسه، حاولت إيران تكريس حضورها عبر طلب هبوط طائرتين تقلان شخصيات رسمية ودينية، لكن الحكومة اللبنانية رفضت، خشية استهداف إسرائيلي مباشر للمطار. وهنا، بدا القرار أكثر من مجرد إجراء أمني: لقد كان رسالة سياسية واضحة بأن بيروت لن تكون ممرًا مفتوحًا للمشروع الإيراني.
وسط هذا كله، يظل قرار 5 آب 2025 حجر الزاوية. فهو لا يعني فقط نزع السلاح من حزب الله، بل أيضًا القطع مع إرث اتفاق القاهرة (1969) ومذكرة التفاهم بين عون والحزب (2006). الفوائد المتوقعة من القرار كثيرة: توحيد السيادة، فتح باب المساعدات، فرض منافسة سياسية قائمة على البرامج والأفكار لا على الترهيب، وإعادة جذب المغتربين. لكن النجاح مشروط بثلاثة عناصر: تماسك التحالف الداخلي (سلام – عون – بري)، استمرار الضغط والدعم الدولي، والتفاف شعبي صادق حول الدولة.
أن بيروت اليوم تقف على حافة مفترق تاريخي. فإمّا أن يتحول قرار نزع السلاح إلى لحظة تأسيسية لجمهورية جديدة قادرة وموحدة، أو أن تبقى العاصمة رهينة صدامات متكررة تعيدنا إلى الوراء. إنّ الرهان اليوم ليس فقط على القرارات، بل على إرادة سياسية صلبة، ودعم شعبي واسع، ودور دولي حاسم، لأن استقرار بيروت هو استقرار لبنان والمنطقة بأسرها.

