المودعون بين مطرقة الدولة وسندان المصارف!
كتبت الدكتورة ميراي زيادة
لم يعد الأمر يحتمل المواربة، فلبنان يقف أمام استحقاق تاريخي ومصيري، عنوانه قانون “الفجوة المالية”. هذا القانون، الذي يُفترض أن يرسم خارطة توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف وربما المودعين، لم يعد مجرّد نص تشريعي قيد الإعداد، بل تحوّل إلى ساحة صراع مفتوح تتواجه فيها الأطراف كافة، كل منها يحاول حماية مصالحه على حساب الآخر. وبينما يدور هذا الكباش العنيف، يبقى المودعون الحلقة الأضعف، يترقّبون مصيراً مجهولاً، وكأن حقوقهم مجرّد أرقام على دفاتر.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبدو الدولة وكأنها تحاول التنصّل من مسؤولياتها التاريخية، فترفع شعار: “لسنا المذنب الوحيد”. غير أن هذه المقولة لا تصمد أمام حقيقة أن السياسات المالية والاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة هي التي أوصلت البلاد إلى هذا الدرك. ومن هنا، فإن تحميل الدولة العبء الأكبر يصبح أمراً بديهياً، لأن أي محاولة لرمي الكرة في ملعب المصرف المركزي أو المصارف وحدها لن تعفيها من مسؤوليتها الجوهرية.
وبالمقابل، يحاول مصرف لبنان أن يتموضع بدور “المستشار الفني”، مكتفياً بتقديم الأرقام والتقارير وشرح الأثر النقدي لأي بند مطروح. غير أن هذه الصورة “التقنية” سرعان ما تتصدّع أمام القضية الأكثر حساسية: الـ 16.5 مليار دولار التي سجّلها الحاكم السابق رياض سلامة كدين على الدولة. وهنا، ينفجر الجدل: وزير المال ياسين جابر يرفض الاعتراف بهذا الدين، ويعتبره غير قانوني لأنه لم يمر عبر مجلس النواب، محذّراً من تداعيات كارثية قد تصل إلى دعاوى قضائية من حاملي اليوروبوند بتهمة الغش وعدم الإفصاح. أما الحاكم الجديد كريم سعيد، فيسعى إلى إدخال هذا الرقم في خانة أصول مصرف لبنان لتعزيز ملاءته المالية، مستنداً إلى معادلة تقول إن المركز المالي للمصرف لا يكتمل من دون هذه الإضافة.
لكن ما يزيد الصورة تعقيداً، أن الأرقام المعلَنة تشير بوضوح إلى أن مصرف لبنان يمتلك ملاءة كافية حتى من دون هذا الدين المثير للجدل: ذهب بقيمة 32 مليار دولار، سيولة نقدية تلامس 11 مليار دولار، ويوروبوند بنحو 1.5 مليار دولار، إضافة إلى ممتلكاته، أي ما يقارب 43 مليار دولار. وبالتالي، يصبح السؤال مطروحاً: هل الهدف من تسجيل هذا الدين هو تعزيز أوراق التفاوض أم محاولة لإخفاء فجوة أكبر؟
أما جمعية المصارف، فهي تدخل إلى الحلبة بكل ثقلها، بعدما استعانت بشركة ANKURA الاستشارية لتمثيلها في المداولات. ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الجمعية ستقاتل بشراسة لحماية مساهميها، حتى لو كان ذلك على حساب المودعين. فهي ترفض بشكل قاطع شطب الرساميل، وتطالب بالتمييز بين الودائع قبل تشرين الأول 2019 وبعده، بحيث تُعامل الودائع الجديدة بشروط مختلفة قد تصل إلى التسديد بالليرة أو بجزء من قيمتها بالدولار. وبذلك، تفتح الجمعية الباب على ضرب مبدأ المساواة بين المودعين، وتحويل الخسائر من خسائر مصرفية إلى كارثة اجتماعية.
ولم تكتفِ المصارف بذلك، بل رفضت أيضاً فكرة التدقيق في مشروعية الأموال المودَعة، بحجة أن العملية معقّدة وستؤثر سلباً على الثقة. كما رفضت استرجاع الأرباح غير الطبيعية التي جناها كبار المساهمين والإداريين من خلال “الهندسات المالية”، متذرّعة بأن تلك الأرباح وُزعت “قانونياً”. وهنا يطرح السؤال نفسه: أي عدالة هذه التي ترفض إعادة الأموال التي جُنيت على حساب الناس؟
وهكذا، يتبلور المشهد على شكل “كباش ناعم” لكنه شرس في العمق، بين ثلاثة استشاريين يمثلون الدولة والمصرف المركزي وجمعية المصارف. وفي خلفية الصورة، يقف وفد صندوق النقد الدولي المرتقب وصوله، ليزيد من ضغط المواجهة ويضع الأطراف جميعاً أمام امتحان الإصلاح الحقيقي.
وبالتالي، فإن اللحظة الحاسمة باتت وشيكة: فإما أن ينتج عن هذا القانون توزيع عادل للخسائر، يحمي صغار المودعين ويعيد جزءاً من الثقة إلى القطاع المالي، أو أن يتحوّل إلى “شرعنة” جديدة لنهب أموال الناس، فتُقبر معها آخر بقايا الثقة بين المواطن والدولة.
وفي الخلاصة، الودائع ليست مجرد أرقام في ميزانيات، بل هي عرق الناس ودموعهم وحصيلة أعمارهم. لذلك، يبقى السؤال المركزي: هل سيحمي قانون الفجوة المالية المودعين حقاً، أم سيكرّس التضحية بهم مرّة جديدة على مذبح الدولة والمصارف؟

