بقلم: د. ميراي زيادة
تشهد المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التقلّبات السياسية والاستراتيجية، توحي بأن الشرق الأوسط مقبل على “تصفية كبرى” لتحالفات أنهكت شعوبه، وأضعفت دوله، وشلّت مؤسساته. في طليعة هذه التحولات، يبرز انهيار ما كان يُعرف بـ”حلف الأقليات”، الذي شكّل لسنوات الذراع السياسي الإقليمي لإيران في المشرق العربي.
رغم أن نظام المرشد الإيراني لا يزال قائمًا، إلا أن الأدوات التي اعتمد عليها لتثبيت نفوذه بدأت تتساقط تباعًا. البرنامج الباليستي الإيراني تلقّى ضربات موجعة، وإسرائيل استهدفت بدقة مراكزه المتقدمة، فيما أثبتت الولايات المتحدة أنها ما زالت تمسك بمفاتيح اللعبة الدولية في المنطقة. لكن الأهم من كل ذلك، هو تفكك التحالفات التي بنتها طهران على مدى عقدين، من لبنان إلى سوريا مرورًا بالعراق واليمن.
المشهد الأكثر وضوحًا هو في لبنان، حيث لم يعد لحزب الله الحاضنة ذاتها، لا داخل بيئته ولا خارجها، فيما المسيحيون المتحالفون معه باتوا أمام تحديات وجودية، بعدما خسروا غطاءهم الوطني وانكشف رصيدهم الشعبي. في سوريا، العلويون الذين شكلوا العمود الفقري للنظام، تلقوا هزائم متتالية في العمق، على المستويين الأمني والسياسي، في ظل تغيّر قواعد الاشتباك إقليميًا.
أما الدروز، فهم في موقع لا يُحسدون عليه، لولا المواجهة السياسية التي قادها الزعيم وليد جنبلاط، والذي أبقى طائفته خارج حسابات الاصطفافات العقيمة، محافظًا على التوازن في واحدة من أكثر اللحظات السياسية هشاشة.
وفي خضم هذا الانهيار التدريجي، يبرز المارد السني مجددًا، خصوصًا في سوريا، حيث بدأت تتشكّل ملامح استعادة الوعي والهوية التاريخية. استحضار رمزية الدولة الأموية ليس تفصيلاً لغويًا، بل مؤشرًا على أن معادلة القوة والشرعية بدأت تميل نحو الأكثريات الوطنية. في لبنان أيضًا، ثمة إعادة نظر شاملة في موقع السنّة، سياسيًا وشعبيًا، وسط سقوط سرديات التهميش والانكفاء.
من جهة أخرى، يُطرح مجددًا مصير المسيحيين في الشرق، خاصة بعد استهداف كنيسة الدويلعة في دمشق، في رسالة رمزية بالغة الخطورة تعيد فتح ملف الوجود المسيحي بين نار التطرف وسندان التسويات.
في المحصلة، لم يعد ممكنًا النظر إلى ما يجري على أنه مجرد تحوّلات سياسية متفرقة. نحن أمام تصفية كبرى لتحالفات اختزلت المنطقة في مشاريع طائفية، وها هي اليوم تتهاوى تحت ضربات الداخل والخارج معًا.
هل نحن على مشارف شرق أوسط جديد يولد من أنقاض الحلف الإيراني؟
وهل تُكتب من جديد قواعد التوازن بين الشعوب لا الطوائف؟

