لا يُمكن لأي أحدٍ حذف تاريخ 6 حزيران من الذاكرة التاريخية اللبنانية، لأنه يوم كان شاهداً على اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982. قبل 40 عاماً، سقطت هيبة الدولة بيد الإحتلال، فبات لبنان مُستباحاً من جنوبه إلى شماله، حتى أن مدينة بيروت حينها، باتت العاصمة العربية الثانية التي تحتلّها إسرائيل، بعد القدس.
وبعيداً عن التفاصيل التاريخية لذلك الاجتياح، وبمنأى عن المفاصل الأساسية له، يبقى أساسياً الوقوف عند نتائجه من جهة، وعما نشهده من ظروف ارتبطت به من جهة أخرى. حُكماً، فإن ما يُمكن قوله أن اجتياح العام 1982 أدى إلى ولادة قوى جديدة في لبنان بعدما هدف إلى إقصاء قوى أخرى في طليعتها منظمة “التحرير الفلسطينية”. حقاً، الأمر هذا حصل، إذ أن اجتياح عام 1982 أفرز عن بروز قوة عسكرية في جنوب لبنان أساسها “حزب الله”، ومن خلال الأخير وفصائل المقاومة الأخرى، حصل التحرير عام 2000، فاندحرت إسرائيل إلى خلف الحدود اللبنانية، لكن عينها بقيت على ثروات لبنان المائية والنفطية.
ووسط أزمات متراكمة وإنهيارٍ متفاقم، تحلّ ذكرى اجتياح العام 1982 وسط حدثٍ قد يُبدل المشهد القائم، والمشكلة الأكبر أن هذا الحدث يحمل طابع الاجتياح قبل 40 عاماً. في هذا اليوم من العام 2022، دخلت سفينة يونانية طلبتها إسرائيل للتنقيب عن الغاز، حقل كاريش المتنازع عليه بين لبنان والعدو الإسرائيلي.
بعد 40 عاماً، “سيناريو الانتهاك” المتمادي يتكرّر، وهُنا يُطرح الأساس: ما هي العبارة التي يمكن أن تصف المشهد الجديد غير عبارة الذل وضرب الكرامة؟ إسرائيل تحاول نهب ثرواتنا بينما نحن لا نتحرّك أبداً.
في العام 1982، حصل الاجتياح بسهولة من دون أي سدّ منيع بوجه دبابات الإحتلال.. في ذلك العام، تقدّمت أرتال الآليات العسكرية الإسرائيلية أمام اللبنانيين، فوصلت عبر البحر والبر إلى بيروت.. المشهدُ قاتل حقاً.. ورغم الإمكانيات الصعبة حينها، هبّ اللبنانيون من مختلف المناطق لمقارعة الإحتلال في مختلف الأماكن والمحاور.. حقاً إنه المشهد المُشرّف.. بالسلاح والنار والإرادة، “أخذ التار للوطن”.. في ذلك الوقت، تجاوز اللبنانيون طوائفهم وتوحدوا في مقاومة عابرة للوطن، فقاوموا الإحتلال وكسروا شوكته.
حقاً، حينما تُخلق الإرادة يحصلُ كلّ شيء، وما كان الشعب اللبناني إلا عنواناً للإنتصار.. وسيبقى.. وفي ساعة الصفر، لن يبقى اللبناني على حاله. فمثلما انتصر سابقاً، سيُقارع الاحتلال من أجل أرضه وحقوقه .. حُكماً إنها الحقيقة.

