ما بدأ بدعوة إلى مؤتمر غير حكومي في إسطنبول، تحوّل خلال أشهر إلى رواية سياسية متكاملة عن «وساطة تركية» لحزب الله، أولاً مع سوريا، ثم وصولاً إلى الحديث عن فتح قناة مع الولايات المتحدة.
في كانون الأول 2025، شارك مسؤول العلاقات العربية والدولية في حزب الله عمار الموسوي في مؤتمر حول القدس نظمته جهات غير حكومية في إسطنبول. لكن هذه المشاركة سرعان ما أصبحت نقطة انطلاق لسلسلة من التسريبات والتحليلات التي قدّمت تركيا كوسيط بين الحزب والقيادة السورية الجديدة، قبل أن تتوسع الرواية أخيراً إلى الحديث عن دور تركي محتمل بين الحزب وواشنطن.
مصدر دبلوماسي مطلع يضع هذه الرواية في إطار مختلف تماماً، مؤكداً أن أنقرة تتعامل مع لبنان وفق قاعدة «الدولة إلى الدولة»، ولا تعتبر حزب الله قناة موازية للدولة اللبنانية.
وهنا تكمن المفارقة: حزب الله وإسرائيل، من موقعين متناقضين، يستفيدان من تضخيم الدور التركي.
الحزب يحتاج إلى إظهار نفسه كقوة إقليمية لا تزال العواصم تبحث عن التواصل معها، في محاولة لتكريس فكرة أن الدولة اللبنانية لا تملك وحدها مفاتيح التسوية. أما إسرائيل فتستفيد من تصوير تركيا كطرف يسعى إلى حماية الحزب أو مساعدته على إعادة بناء قدراته، بما يعزز حجتها الأمنية تجاه سوريا وربما البقاع اللبناني.
وبذلك يلتقي خصمان على سردية واحدة لأسباب مختلفة: حزب الله يريد إثبات أنه لا يزال رقماً إقليمياً صعباً، وإسرائيل تريد خصماً إقليمياً جديداً اسمه تركيا.
لكن الوقائع السياسية على خط بيروت–أنقرة ترسم اتجاهاً آخر: تركيا عززت تعاونها الرسمي مع الدولة اللبنانية، وأكدت استمرار دعمها للجيش، فيما تتقدم في لبنان نفسه معادلة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.
وعليه، قد لا تكون القضية الحقيقية وجود «وساطة تركية» بقدر ما هي محاولة لتثبيت موقع حزب الله على طاولة يُعاد ترتيب مقاعدها.
والرسالة الأهم: المرحلة المقبلة لا تبدو مرحلة البحث عن قنوات موازية للدولة، بل مرحلة إعادة الدولة نفسها إلى موقع المفاوض وصاحب القرار.

