بقلم د. ميراي زيادة
من بين اللحظات التي غيّرت وجه الاقتصاد اللبناني، برزت أزمتان مصرفيتان تركتا بصمتهما العميقة: سقوط بنك «إنترا» عام 1966، والانهيار المالي الذي بدأ عام 2019 وما زال يلتهم ما تبقّى من ثقة واقتصاد.
ورغم مرور أكثر من نصف قرن بينهما، تكشف الأزمتان عن جذورٍ واحدة: نموذجٌ مالي هشّ، يقوم على التوسّع غير المحسوب، وتغليب السياسة على قواعد الاقتصاد. فكما كان المال في خدمة السلطة بالأمس، ظلّ اليوم أداةً بيدها، ما جعل التاريخ يعيد نفسه في مشهدٍ أكثر قسوة.
انطلقت شرارة الأزمة الأولى من قصة نجاحٍ تحوّلت إلى مغامرةٍ غير محسوبة. فبنك «إنترا» بقيادة يوسف بيدس تمدّد بسرعة، واستحوذ على نحو 15٪ من الودائع في لبنان، مستثمرًا في العقارات والطيران والصناعة، إلى أن تجاوزت طموحاته قدرته على تأمين السيولة. ومع تضخّم النفوذ، تراجعت معايير الإدارة الرشيدة، وبدأت القروض تُمنح وفق الولاءات لا الجدوى الاقتصادية.
ولم تكن العقود التالية أوفر حظًّا، إذ كرّرت المصارف اللبنانية الخطأ ذاته حين توسّعت في تمويل الدولة ومصرف لبنان بفوائد مرتفعة، وحقّقت أرباحًا دفترية عبر «الهندسات المالية». وكما عاش «إنترا» على وهم الازدهار حتى لحظة الانهيار، عاشت المصارف الحديثة على ثقةٍ مصطنعة كانت كافية لتأجيل الحقيقة لا لتجنّبها.
وهكذا، حين بدأت الشكوك تتسرّب إلى الأسواق، لم يحتج الأمر سوى شرارة. عام 1966، تسبّبت الشائعات حول أزمة السيولة في موجة هلعٍ مصرفي، هرع خلالها المودعون لسحب أموالهم، بينما امتنع مصرف لبنان – الفتيّ حينها – عن التدخّل الكامل بحجة حماية الانضباط المالي، فانفجرت الأزمة.
بعد أكثر من نصف قرن، تكرّر المشهد بأدواتٍ مختلفة لكن بالمنطق نفسه. توقّفت التدفقات الخارجية عام 2019، انهارت الهندسات المالية، وبدأت المصارف بتجميد الودائع. في كلتا الأزمتين، لم يكن العجز في الأموال بقدر ما كان في الثقة؛ فحين تفقد الناس الثقة، تجفّ السيولة مهما كَبُرت الأرقام في الدفاتر.
ولأن المال في لبنان لم يكن يومًا منفصلًا عن السياسة، تحوّل الانهيار في المرتين إلى صراع نفوذٍ بقدر ما هو أزمة مالية.
ففي الستينات، أثار صعود يوسف بيدس حساسية القوى الحاكمة، فكان سقوطه مزيجًا من الحسابات الاقتصادية والمنافسات السياسية.
وفي الأزمة الحديثة، عكست العلاقة العضوية بين المصارف والطبقة السياسية الوجه الآخر من المشكلة نفسها: حماية المصالح الخاصة، وتأجيل الإصلاحات، وطمس الحقائق خلف شعارات «الاستقرار». ونتيجةً لذلك، ظلّ غياب الرقابة المستقلة بابًا مفتوحًا أمام الزبائنية والطائفية، لتتحوّل المصارف من محرّكٍ للاقتصاد إلى أداةٍ بيد السلطة.
هذا التداخل بين السياسة والمال ترك أثره المباشر على النتائج. فبعد أزمة «إنترا»، شهد لبنان ركودًا مؤقتًا، لكنه تعافى سريعًا بفضل تدفّق الرساميل الإقليمية وثقة الأسواق بالنموذج الليبرالي الذي كان لا يزال واعدًا آنذاك.
أمّا اليوم، فقد تكرّر الانهيار من دون قدرة على النهوض، لأن الأرضية نفسها التي سمحت بالازدهار في الماضي باتت متآكلة. تقلّص الناتج المحلي إلى النصف، انهارت الليرة بأكثر من 95٪، والمودعون خسروا مدّخراتهم. والأخطر أنّ الثقة، وهي العملة الحقيقية لأي نظام مالي، تآكلت بالكامل، فتحوّل الانهيار من حدثٍ مالي إلى أزمةٍ وجودية تطال فكرة الدولة نفسها.
إنّ الربط بين الأزمتين يكشف حقيقةً واحدة: أنّ النظام المالي اللبناني لم يُبنَ على قواعد الاقتصاد السليم بل على توازنات السلطة والمصالح.
فحين يتحوّل المصرف إلى أداة تمويلٍ للسياسة، يفقد دوره كوسيطٍ للثقة والإنتاج. الإصلاح المطلوب اليوم لا يقتصر على تغيير الأشخاص أو السياسات النقدية، بل على إعادة تعريف وظيفة المال في لبنان: من وسيلةٍ لحماية النخب إلى رافعةٍ لبناء الدولة.
وما لم تُستعاد الشفافية والمساءلة وتُفصل السياسة عن القطاع المصرفي، سيبقى الانهيار احتمالًا دائمًا، يعيد نفسه كل جيلٍ بثمنٍ أفدح.
لقد كان سقوط «إنترا» في ستينات القرن الماضي جرس إنذارٍ مبكرًا لم يُسمع جيدًا، فجاء الانهيار الشامل بعد 2020 ليكون صدى ذلك الجرس ولكن بأعلى صوتٍ ممكن.
ففي المرة الأولى انهار مصرفٌ واحد فاهتزّت البلاد ثم تعافت، أمّا في المرة الثانية فقد انهار النظام برمّته فانهارت معه صورة لبنان كمركزٍ ماليٍّ حرّ.
اليوم، لم يعد السؤال متى ستستعيد المصارف الثقة، بل هل يمتلك لبنان ما يكفي من الإرادة السياسية والشفافية لبناء نظامٍ ماليٍّ جديد على أنقاض القديم؟
فالتاريخ لا يكرّر نفسه عبثًا…

