هناك أكثر من تعريف لمنطقة “غوش دان”، وتختلف هذه التعريفات من حيث الاتساع، والتعريف الأكثر شيوعاً يشمل المنطقة الجغرافية الممتدّة من “نتانيا” في الشمال إلى أسدود في الشمال بطول 90 كلم، ومن البحر غرباً إلى مدينة “أريئيل” في الشرق بعرض 20 كلم، بمساحة إجمالية تبلغ 1500 كلم2، يتجاوز عدد سكانها 4 ملايين نسمة (أكثر من 90% منهم يهود). يتوزّع هؤلاء بشكل أساسي على مدن “تل أبيب وريشون ليتسيون وبيتح تكفا وأسدود ونتانيا وبني براك”، فضلاً عن عدد من المدن الأخرى، وما يزيد على 300 مستوطنة، وتتجاوز نسبتهم 45% من السكان في كيان الاحتلال، ويعود سبب هذا التركيز الديموغرافي إلى حالات نزوح سابقة من مناطق الخطر القريبة من الحدود مع لبنان ومع قطاع غزة إلى “غوش دان” بوصفها بعيدة (آنذاك) عن دائرة الاستهداف، بُعدُها المفترض هذا جعلها أقل تجهيزاً بوسائل الحماية من ملاجئ وخلافه. ومع بدء ملحمة “طوفان الأقصى” تجدّد النزوح إلى “غوش دان” من محيط غزة ومن شمال الكيان ليزداد الاكتظاظ السكاني فيها.
وتعدّ “غوش دان” درّة تاج الاقتصاد في الكيان، فهي تضمّ مركز البورصة وتجمُّع الاستثمارات والمصارف والشركات الضخمة للتكنولوجيا، وهي بالتالي العصب المالي الأساسي لـ”إسرائيل”، والإدارة الاقتصادية، ومركز التواصل مع العالم. وفيها تتركّز معظم المؤسسات الحكومية والمباني الوزارية و”مطار بن غوريون” ومركز محطات القطار الداخلي.
الغباء الاستراتيجي و”طوفان النار”
تشير التقديرات الأخيرة في المؤسسة الأمنية والعسكرية في “إسرائيل” إلى امتلاك حزب الله ترسانة من الصواريخ الدقيقة المتعدّدة المديات تبدأ من الكاتيوشا بعيدة المدى (20 – 38 كلم)، إلى فجر 5 (45 – 72 كلم)، وB-302 (110 كلم)، وزلزال 2 (210 كلم)، وM-600 (250 كلم)، وصولاً إلى سكاد دي (700 كلم). بينما لا تتجاوز المسافة بين الحدود اللبنانية الجنوبية وبين أقصى “غوش دان” جنوباً أي “أسدود” 170 كلم، ما يعني أن هذه الصواريخ تصل إلى “غوش دان”، بل تغطي كامل مساحة الكيان، وهو ما سبق أن أشار إليه السيد نصر الله في أكثر من مناسبة.
هذا الواقع يدركه ويعلم مآلاته كثيرون في كيان الاحتلال، وقد أشار أحدهم، وهو الخبير والمحلل العسكري الإسرائيلي أوري بار يوسف، في مقالةٍ له نشرتها صحيفة “هآرتس”، ردّ فيها على تصريحات وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار حول توجيه ضربة استباقية إلى حزب الله لتحييد قدراته الباليستية، بقوله إنّ الأمر غير مجدٍ، ووصل إلى حدّ وصف صاحبه بالغباء الاستراتيجي، معتبراً اقتراحاً كهذا من شأنه، في ظروف أخرى، أن يتحوّل إلى نكتة، وأنّ ضربة إسرائيلية استهلالية لمخازن السلاح الباليستي لن تجلب الخلاص، بل ستؤدّي إلى تدمير أجزاء كبيرة من “إسرائيل”، ولن يمكن مفاجأة “حزب الله” لأنّه يعلم جيداً باحتمالات ضربة إسرائيلية، وقد قام بالتأكيد بكل ما هو مطلوب لإفشالها، فبحسب أوري بار يوسف، “أهمية صواريخ الحزب التي تصل إلى غوش دان وجنوبها والتي يبلغ عددها عشرات الآلاف، ويوازي مجموعها قوة القنبلة الذرية التي ألقيَت على هيروشيما، تكمن في توزّعها على مواقع مختلفة في لبنان، وهي في معظمها تحت الأرض. وإذا كانت لدى إسرائيل معلومات استخبارية جيدة عن مكان وجودها، فمن الأفضل التشكيك فيها، في ضوء تجربة الماضي”.
وفي مقالة أخرى، يؤكد بار يوسف أنّ الصواريخ التي ستطلق على الكيان لن تصيب فقط مستوطنات غلاف غزة أو الجليل، بل ستصيب أيضاً بصورة أساسيّة منطقة “الخضيرة”، وخصوصاً “تل أبيب”، وأنّ الدمار الذي سيلحق بالمدن سيكون هائلاً، والخسائر البشريّة ستصل إلى الآلاف، كما ستتضرّر البنى التحتيّة للكهرباء والمياه والاتصالات والغاز.
وبالعودة إلى تقديرات المؤسسة الأمنية والعسكرية في كيان الاحتلال، فقد أشارت مؤخراً إلى أنّه في يومٍ واحدٍ من القتال مع حزب الله، ستضطرّ “إسرائيل” إلى التعامل مع إطلاق آلاف القذائف الصاروخية ضدّها، حيث ستُطلَق نحو “إسرائيل” في الأيام الأولى من الحرب نحو 6000 قذيفة صاروخية، و”سينخفض العدد لاحقاً خلال أيام الحرب إلى 1500 – 2000 في اليوم”. ويعتقد خبراء الأمن في كيان الاحتلال أنه ستكون هناك نحو 1500 إصابة مصنّفة “فعّالة” في كل يوم في كيان الاحتلال، وهذا بعد احتساب الصواريخ التي ستسقط في مناطق مفتوحة، واعتراضات القبة الحديدية، التي يرى الخبراء أنّ فرص نجاحها ضعيفة في تحقيق نسب اعتراض مرتفعة.
هذا الواقع كفيل بتقديم صورة أكثر وضوحاً حول أبعاد المنازلة الكبرى ومآلاتها، بعيداً من التصريحات الشعبوية لنتنياهو وبعض وزرائه وكبار ضباط “الجيش” في كيان الاحتلال، والتي تحاول تعويض تآكل الردع بالنبرة العالية، من دون أن يملك أحد منهم استراتيجية فعالة لمواجهة “طوفان من نار” ينتظر “غوش دان”، درّة التاج في كيانهم، عند ارتكابهم أي حماقة كبرى في التعامل مع الجبهة الشماليّة مستقبلاً.

