بعد ثلاثة أشهر من الانقطاع، عادت قناة التفاوض بين واشنطن وطهران إلى العمل من نيويورك، لكن عودة الاتصالات لا تعني حتى الآن أن الصفقة أصبحت قريبة.
المشهد بدا متناقضاً إلى حدّ بعيد: ثلاث ساعات من المحادثات وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها «جيدة جداً» و«مثمرة»، فيما كان هو نفسه يرفع من على منبر الأمم المتحدة سقف التهديد إلى أقصى حد. وقد أكد ترامب أن جولة أخرى ستُعقد قريباً، بينما أوضح ستيف ويتكوف أن جزءاً أساسياً من التواصل جرى عبر وسطاء تنقلوا بين الجانبين.
هرمز في قلب الصفقة
بحسب المعطيات المتداولة عن المحادثات، لم تأتِ طهران إلى نيويورك بتراجع واضح عن شروطها، بل وضعت مضيق هرمز في صلب التفاوض.
وتتمحور المطالب الإيرانية المعلنة حول ثلاثة ملفات أساسية: تخفيف أو رفع الحصار البحري والضغط العسكري الأميركي، الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وربط التسوية بوقف الحرب على الجبهات الإقليمية التي تسميها طهران «جبهات المقاومة». كما نقلت تقارير عن مسؤول إيراني استعداد طهران لإعادة فتح هرمز خلال سبعة أيام في حال تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
وهنا تكمن العقدة: ما تعتبره طهران ثمناً لإعادة فتح هرمز، تنظر إليه واشنطن ضمن صفقة أوسع تتعلق بالبرنامج النووي والسلوك الإقليمي وإنهاء الحرب.
الطرفان يتفاوضان… لكنهما لا يتراجعان
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن الفجوة الأساسية بين الطرفين أُغلقت.
إيران تحاول استخدام هرمز وأوراقها الإقليمية لتحسين شروطها، فيما يصرّ ترامب على أن أي تسوية يجب أن تمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وتضع حداً للتهديدات التي تنسبها واشنطن إلى طهران في المنطقة.
واللافت أن ترامب جمع بين التفاوض والتهديد في اليوم نفسه. ففي خطابه أمام الجمعية العامة، أعاد التأكيد أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ووضع أمامها خياراً شديد القسوة بين التوصل إلى اتفاق يسمح لها بإعادة البناء أو مواجهة تصعيد أميركي واسع. كما قال إنه يتوقع إمكان الوصول إلى اتفاق بعد الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني.
الجميع يحتاج إلى الوقت
وهنا قد تكون نقطة التقاطع الحقيقية بين واشنطن وطهران.
لا إيران تبدو مستعدة للتراجع مجاناً، ولا واشنطن تبدو مستعدة لقبول الشروط الإيرانية كما هي. لكن الطرفين لديهما مصلحة في إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
طهران تريد تحويل أوراق الضغط العسكرية والبحرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية، وواشنطن تريد تهدئة التوتر حول هرمز والأسواق من دون الظهور بموقع المتراجع.
لذلك، قد لا تكون نيويورك حتى الآن محطة «اختراق»، بقدر ما هي عودة إلى إدارة الصراع بالتفاوض بعد أشهر من إدارة التفاوض بالنار.
والاختبار الحقيقي في الجولة الثانية
الاتفاق على استمرار الاتصالات هو التطور الأبرز، لكن الجولة المقبلة ستكون أكثر أهمية من اجتماع نيويورك نفسه.
فإذا بدأت الشروط الإيرانية والأميركية تتحول إلى مقايضات قابلة للتفاوض، يمكن الحديث عن بداية مسار نحو صفقة. أما إذا بقي كل طرف متمسكاً بسقفه الحالي، فستتحول المفاوضات إلى وسيلة لشراء الوقت وضبط التصعيد، لا لإنهائه.

