تكشف أجواء اللقاءات اللبنانية–الأميركية أن النقاش بين بيروت وواشنطن لم يعد يدور حول مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، بل انتقل إلى العقدة الأصعب: من يبدأ التنفيذ، وبأي سرعة، وماذا يحصل لبنان في المقابل؟
حمل الرئيس نواف سلام إلى واشنطن لائحة مطالب واضحة: الضغط على إسرائيل للانسحاب وفق جدول زمني، استئناف الجولة الثامنة من المفاوضات، اعتماد آلية للتحقق من التزام الطرفين، تأمين ترتيبات للجنوب في مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، إضافة إلى دعم الجيش والمساعدة في إعادة الإعمار.
وتقوم المقاربة اللبنانية على معادلة «خطوة مقابل خطوة»: تقدم في حصرية السلاح يقابله تقدم إسرائيلي في الانسحاب، بما يسمح للدولة بتوسيع سلطتها تدريجياً من دون تعريض الاستقرار الداخلي للاهتزاز.
لكن الرسالة الأميركية، وفق مصادر مواكبة، بدت أكثر تشدداً: واشنطن تريد أن ترى التنفيذ على الأرض.
فالإدارة الأميركية تعتبر أن أمام الدولة اللبنانية إجراءات يمكن اتخاذها من دون انتظار تطورات الإقليم، وأن ترجمة قرارات الحكومة إلى خطوات عملية ستمنح واشنطن هامشاً أكبر للضغط على إسرائيل من أجل تحريك المفاوضات وتوسيع تجربة «المناطق التجريبية».
الأهم أن واشنطن تريد، بحسب هذه الأجواء، فصل الملف اللبناني عن أي تسوية محتملة مع إيران. بمعنى آخر: لا انتظار لنتائج المواجهة أو التفاوض بين واشنطن وطهران، ولا ربط لمسار الدولة اللبنانية بما يحدث في ملفات المنطقة.
وهنا تظهر معادلة المرحلة المقبلة بوضوح: بيروت تطالب بالتزام متبادل ومتزامن، فيما تضغط واشنطن لتحويل التعهدات اللبنانية إلى تنفيذ ملموس.
وبين المعادلتين، قد تصبح «المناطق التجريبية» الاختبار الأول: انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش، وحصرية فعلية للسلاح. فإذا نجحت التجربة، يمكن أن تتحول من نموذج محدود إلى خريطة طريق أوسع للجنوب.
المعركة إذاً لم تعد على الاتفاق… بل على ترتيب خطوات تنفيذه. ومن يقوم بالخطوة الأولى.

