spot_img
الأحد, سبتمبر 20, 2026

من حرائق لبنان إلى حرائق الجزائر: هل تبدأ معركة الممرات من تحت الرماد؟

الرئيسيةاهم الاخبارمن حرائق لبنان...

ليست العلاقة بين حرائق لبنان عام 2019 وحرائق الجزائر عام 2026 علاقةً مباشرة، ولا توجد أدلة تسمح بوضع الكارثتين ضمن مخطط واحد. لكن التشابه الأخطر بينهما يكمن في توقيت النار: في الحالتين، اندلعت الحرائق فوق دولة كانت تقف عند مفترق سياسي واقتصادي حساس، فكشفت هشاشة داخلية أو صراعاً استراتيجياً أكبر كان يتحرك تحت السطح.

في لبنان، اندلعت خلال أيام 13 و14 و15 تشرين الأول 2019 أكثر من مئة بؤرة حريق، وسط عجز رسمي وجدال حول عدم جهوزية طائرات الإطفاء. وبعد يومين، انفجر الشارع في انتفاضة 17 تشرين، ثم استقالت حكومة سعد الحريري، قبل أن يدخل البلد مرحلة الانهيار المالي والمصرفي والنقدي.

لم تكن الحرائق سبب الأزمة، كما لم تكن ضريبة «واتساب» سبب الغضب الحقيقي. لكن النار كشفت خلال ساعات صورة الدولة العاجزة التي راكمت أزماتها لسنوات. وبذلك تحولت الكارثة البيئية إلى اختبار ثقة سياسي فشلت فيه السلطة، ثم جاءت الشرارة الاجتماعية لتُخرج الانهيار من تحت السطح إلى العلن.

في الجزائر، تختلف طبيعة اللحظة. فالدولة ليست أمام نسخة مطابقة من الانهيار اللبناني، لكنها تقف وسط إعادة رسم واسعة لخريطة النفوذ والطاقة في شمال أفريقيا والساحل. لذلك، لا يمكن قراءة حرائق صيف 2026 بمعزل عن الصراع الإقليمي المتسارع حول الأمن والغاز والممرات.

العوامل الطبيعية موجودة بوضوح: حرارة شديدة، جفاف ورياح ساعدت على تمدد النيران. كما تحدث الرئيس عبد المجيد تبون عن احتمال وجود «أيادٍ إجرامية»، وأعلنت السلطات توقيف مشتبه بهم في إشعال بعض الحرائق عمداً. لكن ثبوت الطابع المتعمد في بعض الحالات لا يعني أن جميع الحرائق نُفذت ضمن عملية واحدة، ولا يثبت وجود جهة خارجية تقف خلفها.
مع ذلك، يفتح التوقيت باباً مشروعاً للتحليل. فالجزائر محاطة اليوم بقوس من الضغوط: المغرب وتحالفاته الجديدة غرباً، مالي والنيجر والجماعات المسلحة جنوباً، ليبيا المنقسمة شرقاً، إضافة إلى تصاعد الخلاف مع الإمارات وتنامي التعاون المغربي–الإسرائيلي.
وفي قلب هذه الخريطة يقع صراع أقل صخباً، لكنه ربما يكون أكثر تأثيراً: الصراع على الطريق الذي سيسلكه الغاز النيجيري إلى أوروبا.

هناك مشروعان متنافسان. الأول هو خط الغاز العابر للصحراء TSGP، الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، ومنها إلى السوق الأوروبية. والثاني هو مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، الذي ينطلق من نيجيريا ويعبر دول غرب أفريقيا وصولاً إلى المغرب وأوروبا.

المشروع الجزائري يمر عبر ثلاث دول فقط، ما يجعله أقصر وأقل تعقيداً من حيث عدد الحكومات المعنية، كما يستطيع الاستفادة من البنية الجزائرية القائمة لنقل الغاز إلى أوروبا. لكنه يحمل نقطة ضعف شديدة الحساسية: اعتماده المباشر على استقرار النيجر والساحل.

أما المشروع المغربي، فيشمل نحو 13 دولة. وهو أطول وأكثر كلفة وتعقيداً، لكنه يبني في المقابل كتلة واسعة من المصالح الأفريقية المشتركة. فكل دولة يمر بها الخط تصبح شريكاً في استقراره وحمايته، ما يمنح المغرب شبكة سياسية واقتصادية تمتد على الساحل الأطلسي.

من هنا، لم يعد السؤال مَن يملك الغاز فقط، بل مَن يملك الطريق، ومَن يستطيع حمايته، ومَن سينجح في تحويل بلاده إلى البوابة الأفريقية للطاقة نحو أوروبا.

وهنا تحديداً تدخل النيجر في صلب الأمن القومي الجزائري. فهي ليست مجرد دولة مجاورة، بل الحلقة الوسطى في مشروع الغاز العابر للصحراء الذي دخل مرحلة التنفيذ وفق المعطيات المتداولة. وأي اضطراب طويل فيها قد يعطل المسار الجزائري، يرفع مخاطره الاستثمارية، أو يمنح المشروع الأطلسي المنافس أفضلية استراتيجية.

لهذا السبب، لا يمكن المرور سريعاً على إرسال الجيش الوطني الشعبي الجزائري مفرزة جوية إلى خارج الحدود، في تحرك ارتبط بالتضامن مع النيجر وحماية الاستثمارات والمصالح الجزائرية هناك. فإذا كانت الجزائر، المعروفة بحذرها تجاه الانتشار العسكري الخارجي، قد أقدمت على خطوة من هذا النوع، فمن المرجح أنها لا تنظر إلى ما يجري باعتباره تطوراً عادياً.

قد تكون الجزائر رصدت تهديداً لمصالحها أو لاستقرار شريك محوري، وقد تكون بدأت بتطوير مقاربتها الأمنية من حماية الحدود إلى حماية العمق الاستراتيجي خارجها. وفي الحالتين، يظهر أن أمن خط الغاز لم يعد يبدأ داخل الجزائر، بل من النيجر نفسها.

وهذه هي النقطة التي تربط الحرائق بمشروع الطاقة، من دون الوقوع في اتهام غير مثبت: الحرائق وقعت في اللحظة التي بدأت فيها الجزائر تتعامل مع محيطها باعتباره ساحة دفاع عن الممر، لا مجرد حدود جغرافية.
فالحرائق قد لا تكون جزءاً من الحرب على المشروع، لكنها تختبر الدولة التي تريد حمايته. إنها تستنزف أجهزة الطوارئ، تضغط على الموارد، تهز الثقة بالمؤسسات، وتفتح المجال أمام حملات إعلامية وسياسية. وإذا ترافقت مع اضطرابات حدودية أو أزمات دبلوماسية، فإنها قد تضعف صورة الدولة أمام المستثمرين والشركاء، حتى لو كان سببها طبيعياً أو محلياً.

وهنا يظهر التشابه الحقيقي مع لبنان. النار لم تصنع الأزمة اللبنانية، لكنها كشفت ضعف الدولة وسرّعت انتقال الغضب إلى الشارع. وفي الجزائر، قد لا تكون الحرائق مرتبطة مباشرة بصراع الغاز، لكنها تكشف حجم الضغوط المحيطة بدولة تحاول تأمين مشروع استراتيجي يمر في إحدى أكثر مناطق العالم هشاشة.

الفرق أن لبنان عام 2019 كان يواجه انهياراً من الداخل، بينما تواجه الجزائر عام 2026 تحدياً مزدوجاً: حماية تماسكها الداخلي، وتأمين مجالها الحيوي الخارجي من المتوسط إلى الساحل.
غرباً، هناك المغرب بمشروعه الأطلسي وعلاقاته المتقدمة مع إسرائيل. جنوباً، هناك النيجر ومالي، حيث تمتلك الجزائر حدوداً ومصالح أمنية واقتصادية شديدة الحساسية. وشرقاً، هناك ليبيا المنقسمة والنفوذ الذي يمثله المشير خليفة حفتر، وسط تشابك مصالح وتدخلات إقليمية متعددة.

أما الإمارات، فقد أصبحت عنصراً حساساً في الحسابات الجزائرية بسبب علاقتها الاستراتيجية بالمغرب، وحضورها المتنامي في أفريقيا، واهتمامها بالمشروع الأطلسي. لكن تعارض المصالح لا يثبت ضلوعها، ولا ضلوع المغرب أو إسرائيل، في الحرائق. فالقاعدة التي يجب ألّا تسقط في أي تحقيق جدي هي أن من يستفيد من الكارثة ليس بالضرورة من صنعها.

كذلك، بدا رد فعل مجلس التعاون الخليجي على القطيعة الجزائرية–الإماراتية هادئاً بصورة لافتة. وقد يدل ذلك على رغبة خليجية في حصر الخلاف بين الجزائر وأبوظبي، ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع. كما يكشف أن التحالفات الإقليمية، مهما بدت متماسكة، لا تعني تطابق مواقف جميع أطرافها تجاه شمال أفريقيا والساحل.
في المقابل، تعزز الجزائر تقاربها مع النيجر ومالي. وتكمن أهمية مالي في الحدود المشتركة التي تمتد قرابة 1,350 كيلومتراً، ما يجعل استقرارها مرتبطاً بأمن الجزائر ومكافحة الجماعات المسلحة والتهريب والهجرة، وبقدرة الجزائر على الحفاظ على نفوذها جنوباً.

وبذلك تصبح الصورة أكثر وضوحاً: مشروع الغاز ليس أنبوباً فقط، بل منظومة أمنية وسياسية. ولكي يصل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر إلى أوروبا، يجب أن يبقى الساحل مستقراً، والحدود قابلة للسيطرة، والاستثمارات محمية، والدولة الجزائرية قادرة على مواجهة الضغط الداخلي والخارجي.

من هنا، يمكن تحديد العلاقة بين الحرائق والمشروع الغازي في ثلاثة مستويات:

أولاً، الحرائق كاختبار للدولة: فهي تقيس قدرتها على إدارة الأزمات وحماية الداخل في وقت تتوسع فيه مصالحها خارج الحدود.

ثانياً، الحرائق كعامل استنزاف: حتى لو كانت طبيعية، فإنها تستهلك الموارد وتضغط على المؤسسات وقد تؤثر في الثقة والاستقرار.

ثالثاً، الحرائق كأداة محتملة للاستثمار السياسي: فقد تستغلها جهات داخلية أو خارجية لتشويه صورة الدولة أو رفع منسوب القلق حول أمن المشاريع الكبرى، من دون أن تكون هي التي أشعلتها.

أما الانتقال إلى فرضية التخريب المنظم، فيحتاج إلى أدلة مختلفة تماماً: شبكات تنفيذ واتصالات وتمويل وتعليمات واختيار ممنهج للأهداف وصلات مثبتة بجهات سياسية أو خارجية. وحتى ظهور هذه الأدلة، تبقى الحرائق جزءاً من البيئة الاستراتيجية، لا دليلاً على مؤامرة.

وهنا يكمن درس لبنان للجزائر: لا تُقاس خطورة النار بعدد الأشجار التي أحرقتها فقط، بل بما تكشفه عن جاهزية الدولة، وبما قد تفتحه من تحولات بعد إخمادها.
في لبنان، كشفت النار دولة عاجزة قبل انفجار الشارع والانهيار المالي. أما في الجزائر، فقد تكشف النار دولة تعيد رسم حدود أمنها القومي لحماية مشروع طاقة يمتد من نيجيريا إلى أوروبا.

لذلك، لا ينبغي أن ينحصر السؤال في هوية من أشعل الحرائق، بل يجب مراقبة ما سيحدث بعدها: نتائج التحقيقات، تحركات الجيش الجزائري خارج الحدود، مستقبل النيجر ومالي، تطور العلاقات مع الإمارات، مستوى التعاون المغربي–الإسرائيلي، وميزان التقدم بين خط الغاز الصحراوي والمشروع الأطلسي.

فقد لا تكون حرائق الجزائر بداية الحرب على الممر، لكنها وقعت في لحظة أصبحت فيها الجزائر تدرك أن أمنها لا ينتهي عند حدودها، وأن حماية الغاز تبدأ من استقرار النيجر، وأن الصراع المقبل لن يكون فقط على مصادر الطاقة، بل على الطرق التي تحملها.

في لبنان، كشفت النار انهيار الدولة من الداخل. وفي الجزائر، قد تكشف النار بداية انتقال الدولة إلى حماية عمقها خارج الحدود.
وبين الحالتين، يبقى السؤال الأخطر: هل كانت الحرائق مجرد كارثة عابرة، أم أول إنذار ظاهر بأن معركة الممرات خرجت من تحت الرماد؟

Copyright © TOPSKY NEWS

«ليالي بعلبك».. ثلاثة أيام...

تستعد مدينة بعلبك لثلاث ليالٍ استثنائية مع انطلاق فعاليات «ليالي بعلبك» في 18 و19 و20...

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط!

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط! قطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عطلة نهاية الأسبوع في كامب ديفيد ليعود بشكل...

أزمة المكلّس تتفاعل.. تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة!

أزمة المكلّس تتفاعل… تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة أعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل أنها كانت قد باشرت، ضمن تحضيراتها الاستباقية لموسم الأمطار، أعمال تنظيف وتعزيل...

الدولة ترفع السقف: من الجنوب إلى البرلمان وباريس

تتقاطع التطورات الأخيرة عند عنوان واحد: محاولة إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي في لبنان. فمن الجنوب إلى مجلس النواب، وصولًا إلى...

الخليج بعد اهتزاز المظلّة الأميركية: الأمن لم يعد أميركياً فقط

تدخل دول الخليج مرحلة إعادة حسابات أمنية عميقة، بعدما أظهرت الحرب أن الوجود العسكري الأميركي الضخم في المنطقة لا يعني بالضرورة القدرة على منع...

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.....

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط! قطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عطلة نهاية الأسبوع...

أزمة المكلّس تتفاعل.. تحقيق فني...

أزمة المكلّس تتفاعل… تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة أعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل أنها كانت قد باشرت، ضمن تحضيراتها الاستباقية...

الدولة ترفع السقف: من الجنوب...

تتقاطع التطورات الأخيرة عند عنوان واحد: محاولة إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي في لبنان. فمن الجنوب...

الخليج بعد اهتزاز المظلّة الأميركية:...

تدخل دول الخليج مرحلة إعادة حسابات أمنية عميقة، بعدما أظهرت الحرب أن الوجود العسكري الأميركي الضخم في المنطقة لا...

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط!

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط! قطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عطلة نهاية الأسبوع في كامب ديفيد ليعود بشكل...

أزمة المكلّس تتفاعل.. تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة!

أزمة المكلّس تتفاعل… تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة أعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل أنها كانت قد باشرت، ضمن تحضيراتها الاستباقية لموسم الأمطار، أعمال تنظيف وتعزيل...

الدولة ترفع السقف: من الجنوب إلى البرلمان وباريس

تتقاطع التطورات الأخيرة عند عنوان واحد: محاولة إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي في لبنان. فمن الجنوب إلى مجلس النواب، وصولًا إلى...

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط!

ترامب يقطع إجازته بشكل مفاجئ.. وتحذيرات من تصعيد محتمل في الشرق الأوسط! قطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عطلة نهاية الأسبوع في كامب ديفيد ليعود بشكل...

أزمة المكلّس تتفاعل.. تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة!

أزمة المكلّس تتفاعل… تحقيق فني ومقاول تحت المحاسبة أعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل أنها كانت قد باشرت، ضمن تحضيراتها الاستباقية لموسم الأمطار، أعمال تنظيف وتعزيل...

الدولة ترفع السقف: من الجنوب إلى البرلمان وباريس

تتقاطع التطورات الأخيرة عند عنوان واحد: محاولة إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي في لبنان. فمن الجنوب إلى مجلس النواب، وصولًا إلى...

الخليج بعد اهتزاز المظلّة الأميركية: الأمن لم يعد أميركياً فقط

تدخل دول الخليج مرحلة إعادة حسابات أمنية عميقة، بعدما أظهرت الحرب أن الوجود العسكري الأميركي الضخم في المنطقة لا يعني بالضرورة القدرة على منع...

النبطية – كفرحونة – مشغرة إلى «الخط الأصفر»؟

لم يعد السؤال بعد علي الطاهر هو ما إذا كانت إسرائيل ستكتفي بما حققته، بل أين يمكن أن يتوقف تمدّد «الخط الأصفر» إذا استمرت...

بري يفتح باب المحاسبة.. ويُبقي باب إسقاط الحكومة مقفلا

لم تكن جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب مجرّد مساحة لتفريغ غضب النواب من أداء حكومة نواف سلام. خلف السجالات وارتفاع السقوف، برزت...