نتنياهو ولبنان قبل الانتخابات: ماذا يريد من التصعيد؟
علي محيدلي
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، لا يمكن فصل التصعيد في جنوب لبنان عن المشهد السياسي الإسرائيلي، لكن من الضروري التمييز بين الأهداف العسكرية المعلنة وبين المكاسب السياسية المحتملة التي قد يسعى بنيامين نتنياهو إلى تحقيقها.
إسرائيل تقول إن عملياتها تهدف إلى إبعاد حزب الله عن حدودها ومنع أي تهديد لسكان الشمال. لكن على الأرض، الصورة تتجاوز الضربات العسكرية: مواقع جديدة تحت السيطرة، انتشار يتوسع، ووقائع ميدانية يجري تثبيتها.
وهنا تبدأ الحسابات السياسية.
من الدفاع إلى فرض الوقائع
السيطرة على مواقع استراتيجية مثل تلة علي الطاهر ليست مجرد تفصيل ميداني. فالمواقع المرتفعة تمنح إسرائيل قدرة أكبر على المراقبة والتحكم بالمحيط، والأهم أنها تخلق واقعاً يصعب التراجع عنه لاحقاً.
إذا استمر هذا النهج، فقد لا تكون إسرائيل بصدد تنفيذ عملية عسكرية محدودة فحسب، بل محاولة إعادة رسم المعادلة الأمنية في جنوب لبنان بالقوة.
وهذا هو الفارق الأساسي: إسرائيل لا تريد فقط منع الخطر من الوصول إلى حدودها، بل تريد تحديد المكان الذي يجب أن يتوقف عنده هذا الخطر.
الأرض كورقة ضغط
كلما توسعت السيطرة الإسرائيلية، ازدادت الأوراق التي يمكن وضعها على طاولة التفاوض.
فالانسحاب من أرض جرى احتلالها يمكن أن يتحول إلى مقابل سياسي أو أمني، سواء تعلق الأمر بانتشار الجيش اللبناني، أو وضع حزب الله، أو ترتيبات الحدود.
بمعنى آخر، ما تأخذه إسرائيل عسكرياً اليوم قد تحاول استثماره سياسياً غداً.
وهنا تصبح السيطرة على الأرض جزءاً من عملية تفاوض غير معلنة: فرض واقع، ثم التفاوض على كيفية تغييره.
ماذا يريد نتنياهو انتخابياً؟
نتنياهو يدخل الانتخابات وهو بحاجة إلى استعادة رواية “الأمن”.
وأفضل ما يمكن أن يقدمه للناخب الإسرائيلي ليس خطاباً سياسياً، بل صورة عسكرية واضحة: الجيش يتقدم، حزب الله يتراجع، والحدود الشمالية أصبحت أبعد عن الخطر.
لذلك، إذا تمكن من تثبيت مواقع جديدة وإظهار أن إسرائيل هي الطرف الذي يفرض المعادلات، فسيستطيع تحويل الإنجاز العسكري إلى رسالة انتخابية مباشرة:
أنا لا أدير الأزمة، أنا أغيّر الواقع.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة لنتنياهو، لأن جزءاً كبيراً من معركته السياسية يدور حول قدرته على تقديم نفسه كالأكثر تشدداً وقدرة على حماية إسرائيل.
لماذا قد يرفض الانسحاب الآن؟
الانسحاب من دون اتفاق واضح قد يبدو داخل إسرائيل كتراجع.
أما البقاء في المواقع الجديدة فيمنح نتنياهو شيئاً ملموساً يمكن الدفاع عنه سياسياً: إسرائيل لا تنسحب قبل ضمان أمنها.
لكن لهذه المعادلة وجهاً آخر.
كل يوم إضافي داخل لبنان يزيد كلفة الوجود العسكري، ويجعل السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت العملية حققت أهدافها، فلماذا لا تنتهي؟
وهنا يمكن أن ينقلب السلاح الانتخابي على صاحبه.
لبنان بين الورقة الأمنية والورقة الانتخابية
الهدف الإسرائيلي الأساسي يبقى أمنياً وعسكرياً: إضعاف قدرة حزب الله على العمل قرب الحدود وفرض ترتيبات تمنع عودة الوضع السابق.
لكن نتنياهو يستطيع الاستفادة من هذه الأهداف سياسياً.
فإذا تحولت السيطرة العسكرية إلى ترتيبات أمنية جديدة، يمكنه القول إنه نجح في تغيير قواعد اللعبة.
وإذا بقيت السيطرة من دون تسوية، يستطيع تقديمها كدليل على أن إسرائيل لن تتراجع تحت الضغط.
في الحالتين، لبنان يتحول إلى جزء من السردية السياسية التي يخوض بها نتنياهو الانتخابات.
لكن هناك مشكلة أكبر
نتنياهو يحتاج إلى انتصار يمكن إنهاؤه، لا إلى حرب مفتوحة.
إذا بقي الجيش الإسرائيلي في لبنان، واستمر القصف، ولم تتحول السيطرة الميدانية إلى اتفاق سياسي، فقد تصبح الجبهة اللبنانية عبئاً انتخابياً بدلاً من أن تكون مكسباً.
عندها لن يكون السؤال: ماذا احتلت إسرائيل؟
بل: ماذا حققت بعد كل هذا التصعيد؟
وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة المقبلة حساسة.
الخلاصة
الوقائع: إسرائيل توسع عملياتها وتثبت وجودها في مواقع تعتبرها استراتيجية، وتربط ذلك بأهداف أمنية تتعلق بحزب الله وحماية حدودها الشمالية.
التحليل: قد يحاول نتنياهو تحويل هذه الوقائع إلى ثلاث أوراق في وقت واحد: أرض يسيطر عليها، ضغط يستخدمه في التفاوض، وإنجاز يبيعه للناخب الإسرائيلي.
لكن الرهان محفوف بالمخاطر.
فإذا نجح نتنياهو في تحويل التقدم العسكري إلى تسوية بشروط إسرائيلية، سيملك ورقة انتخابية قوية.
أما إذا تحول جنوب لبنان إلى جبهة طويلة بلا نهاية، فقد يحدث العكس تماماً: بدلاً من أن يدخل نتنياهو الانتخابات بصورة القائد الذي أعاد الأمن، قد يدخلها كرئيس حكومة عجز عن إنهاء حرب جديدة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو لماذا تتقدم إسرائيل في لبنان، بل إلى أي حد تريد أن تتقدم، وماذا تريد أن تحصل عليه مقابل التراجع؟

