بقلم : د.ميراي زيادة
خلال أيام قليلة فقط، انتقلت الحرب في الشرق الأوسط من ساحة عسكرية إلى ميدان الاقتصاد العالمي.
الإشارة الأخطر لم تأتِ من الجبهات، بل من قطاع الطاقة، عندما أعلنت شركات خليجية، وفي مقدمتها قطر للطاقة، تفعيل بند القوة القاهرة بعد الهجمات التي طاولت منشآت الطاقة وتعطل حركة الشحن.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى إجراءً قانونياً تقنياً، لكنه في الواقع إعلان اقتصادي خطير:
الإمدادات التي يعتمد عليها العالم لم تعد مستقرة.
القوة القاهرة في عقود النفط والغاز تعني ببساطة أن الدولة أو الشركة المنتجة تستطيع تعليق التزاماتها التعاقدية إذا وقع حدث خارج السيطرة ,كالحرب أو إغلاق الممرات البحرية أو استهداف المنشآت. وعندها يتم تعليق تسليم الشحنات مؤقتاً من دون دفع غرامات أو تعويضات.
لكن المشكلة ليست قانونية.
المشكلة أن هذا الإعلان جاء من منطقة تنتج جزءاً ضخماً من طاقة العالم.
أرقام تكشف خطورة ما يحدث
الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة إنتاج عادية. إنه شريان الطاقة العالمي.
الأرقام وحدها تشرح الصورة:
20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم تأتي من قطر
نحو 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز
أكثر من 60% من صادرات الغاز القطري تذهب إلى آسيا
نحو 15–20% من الغاز المسال في أوروبا مصدره قطر
بمعنى آخر، أي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى محلياً، بل يتحول فوراً إلى صدمة في العرض العالمي للطاقة.
وقد بدأت هذه الصدمة تظهر بالفعل، بعد توقف أكبر محطة تصدير للغاز المسال في قطر عن الشحن لعدة أيام، وهي أطول فترة توقف منذ عام 2008.
ماذا يحدث إذا تجاوز النفط 100 دولار؟
الأسواق العالمية للطاقة شديدة الحساسية.
أي نقص في الإمدادات يدفع الأسعار إلى الارتفاع بسرعة.
حالياً يراقب المحللون مستوى 100 دولار للبرميل باعتباره العتبة النفسية الخطيرة.
إذا تجاوز النفط هذا المستوى فقد يحدث الآتي:
- موجة تضخم عالمية
كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط ترفع معدل التضخم العالمي بين 0.2% و0.3%.
إذا وصل النفط إلى 110 أو 120 دولاراً، فقد تعود معدلات التضخم في أوروبا والولايات المتحدة إلى الارتفاع بعد سنوات من محاولات السيطرة عليها. - ارتفاع كبير في أسعار الطاقة
في أوروبا وآسيا، قد يرتفع سعر الغاز المسال بنسبة 30 إلى 50% خلال أسابيع، لأن السوق ستدخل مرحلة منافسة حادة على الشحنات المتاحة.
هذا يعني:
ارتفاع أسعار الكهرباء
ارتفاع كلفة الصناعة
زيادة أسعار الغذاء والنقل.
- ضغط شديد على الاقتصاد العالمي
عندما يرتفع النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة:
يتباطأ النمو الاقتصادي العالمي
تنخفض أرباح الشركات الصناعية
ترتفع كلفة النقل والشحن.
وقد حذر صندوق النقد الدولي سابقاً من أن النفط فوق 120 دولاراً قد يقتطع نحو 0.5% من النمو الاقتصادي العالمي.
المفارقة: المنتجون قد لا يخسرون كثيراً
رغم كل هذه التداعيات، فإن الدول المنتجة للطاقة قد لا تخسر مالياً بالضرورة.
فلو انخفض الإنتاج مثلاً بنسبة 15% بسبب الحرب، لكن ارتفع سعر النفط من 80 إلى 110 دولارات، فإن الإيرادات الإجمالية قد تبقى مستقرة أو حتى ترتفع.
وهذه المفارقة هي ما يجعل أزمات الطاقة معقدة:
الاقتصاد العالمي يخسر، لكن بعض المنتجين قد يعوضون خسائرهم
عبر ارتفاع الأسعار.
حرب الممرات البحرية
الجانب الأخطر في هذه الأزمة ليس فقط استهداف منشآت الطاقة، بل تهديد ممرات الشحن.
مضيق هرمز وحده يمر عبره يومياً:
نحو 20 مليون برميل نفط
أي حوالي خمس تجارة النفط العالمية
وأي تعطيل للملاحة فيه قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
ما يحدث اليوم يعني أن الحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد مواجهة عسكرية.
لقد دخلت مرحلة الاقتصاد الاستراتيجي.
فحين تُعلن القوة القاهرة في منشآت طاقة كبرى، فهذا يعني أن:
الإمدادات العالمية أصبحت رهينة الحرب
الأسواق بدأت تسعّر المخاطر الجيوسياسية
وأمن الطاقة العالمي بات على المحك.
في الحروب التقليدية تُقاس النتائج بعدد الصواريخ والدبابات.
أما في الحروب الحديثة، فالمؤشر الحقيقي قد يكون سعر برميل النفط.
وإذا استمر التصعيد، فقد لا يكون السؤال في الأسابيع المقبلة كم صاروخ أُطلق في المنطقة، بل سؤال آخر أكثر دلالة:
إلى أي مستوى سيصل سعر الطاقة في العالم؟

