بقلم د. ميراي زيادة- قد يظن البعض أن النقاش حول قانون الودائع أصبح من الماضي، أو أن الوقت كفيل بتخفيف حدّته.
لكن الحقيقة أن الأزمات التي لا تُحل، تعود دائمًا بأسماء جديدة.
فالانهيار المالي في لبنان لم يكن حادثًا طارئًا ولا كارثة طبيعية، بل نتيجة نظام مالي قام عمليًا على منطق مخطط بونزي:
نظام يستمر عبر استخدام أموال جديدة لتغطية التزامات قديمة، من دون إنتاج حقيقي أو نمو مستدام، معتمدًا فقط على استمرار الثقة.
لسنوات، عاشت الدولة والمصارف على هذا المنطق.
وُظِّفت ودائع الناس لتمويل العجز، ودعم المصارف، وتثبيت سعر صرف غير قابل للاستمرار.
الفوائد المرتفعة لم تكن دليل متانة، بل وسيلة لإبقاء مخطط بونزي قائمًا لبعض الوقت.
وعندما توقّف تدفّق الأموال، انكشف النظام.
فالوقت لا يُصلح الأخطاء، بل يكشفها.
ظهرت الخسائر، لكن ما كُشف أكثر هو طريقة التعامل معها.
ففي حين استطاع بعض المحظيين حماية أموالهم أو إخراجها مبكرًا، تُركت الغالبية أمام قيود قسرية بلا قانون واضح ولا حماية عادلة.
اليوم، يُعاد طرح قانون الودائع كحل.
لكن القوانين لا تُنهي الأزمات إذا لم تُجب عن أسبابها.
وقانون يتجاهل أن النظام كان يعمل كـمخطط بونزي، لن يعالج الانهيار، بل سيُعيد تنظيم نتائجه فقط.
المودعون لم يكونوا مضاربين ولا مغامرين.
كانوا مواطنين وثقوا بمصارف يفترض أنها خاضعة لرقابة الدولة.
تحميلهم الخسائر أولًا، بينما بقي من صمّم النظام ومن استفاد منه خارج دائرة المساءلة، لا يمكن تسميته إصلاحًا.
في التجارب السليمة، أي معالجة للأزمات المصرفية تبدأ من:
تحمّل المساهمين الخسائر
محاسبة الإدارات
ثم حماية المودعين قدر الإمكان
أما في لبنان، فقد جرى العكس، ما يجعل ما حصل ليس Bail-in منظّمًا، بل تحميلًا قسريًا للخسائر على الأضعف.
لهذا، لا يحتاج لبنان إلى قانون يُقفل الملف،
بل إلى قانون يفتحه على حقيقته.
قانون يعترف بأن ما جرى كان مخطط بونزي ماليًا مقنّعًا،
ويُعيد توزيع الخسائر بعدالة،
ويُثبت أن الثقة لا تُستعاد بالنسيان ولا بمرور الوقت.
فالوقت مرّ،
لكن مخطط بونزي الذي لم يُسمَّ باسمه،
سيظل يعود… بصيغ جديدة.

