كتبت الدكتورة ميراي زيادة- شهدت أسعار الفضة أمس هبوطًا حادًا بلغ نحو 25% في يوم واحد، في حركة بدت صادمة للوهلة الأولى. غير أنّ هذا الانخفاض لم يكن مفاجئًا بالكامل عند النظر إلى تسلسل الأحداث التي قادت إليه، إذ جاء نتيجة تراكم عوامل متتالية انفجرت في وقت واحد داخل الأسواق.
في البداية، تلقّت الأسواق إشارة سلبية من الولايات المتحدة، مع تداول أخبار عن احتمال تعيين شخصية معروفة بتشدّدها النقدي على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. هذا الاحتمال أعاد رسم توقعات المستثمرين، ودفعهم للاعتقاد بأن أسعار الفائدة ستبقى مرتفعة لفترة أطول.
وبما أنّ ارتفاع الفائدة عادة ما يؤدي إلى تقوية الدولار الأميركي، فقد انعكس هذا التحوّل فورًا على المعادن الثمينة، وعلى رأسها الفضة، التي تُعتبر أصلًا غير مدرّ للعائد. وهنا بدأت أولى موجات البيع.
ومع تغيّر المزاج العام، انتقل المستثمرون من مرحلة الترقّب إلى مرحلة التنفيذ. فالفضة كانت قد حققت خلال الأشهر الماضية ارتفاعات كبيرة، ما جعل عددًا واسعًا من المتداولين يجلسون على أرباح مريحة.
لذلك، ومع أول إشارة سلبية، سارع كثيرون إلى جني أرباحهم والخروج من السوق، الأمر الذي زاد من حدّة الضغط على الأسعار، ومهّد للانتقال من بيع منظّم إلى بيع متسارع.
ثم جاء عامل الدولار
في هذا السياق، ساهم ارتفاع الدولار الأميركي في تعميق الخسائر. فالفضة، بوصفها سلعة مسعّرة بالدولار، تصبح أكثر كلفة على المشترين خارج الولايات المتحدة عندما يقوى الدولار.
ونتيجة لذلك، تراجع الطلب العالمي في لحظة كان السوق فيها بأمسّ الحاجة إلى مشترين، ما سرّع وتيرة الهبوط.
لكن التحوّل الأخطر حصل لاحقًا، حين انتقلت السوق من البيع الطوعي إلى البيع الإجباري. إذ إن عددًا من المتداولين كان قد اشترى الفضة باستخدام أموال مقترضة. ومع الهبوط السريع للأسعار، طالبتهم البورصات بتأمين سيولة إضافية.
ولأن كثيرين لم يتمكنوا من تلبية هذه المتطلبات، اضطروا إلى البيع الفوري، بغضّ النظر عن السعر. وهكذا، تحوّل التراجع إلى سلسلة متتابعة من عمليات التصفية القسرية.
ومع كسر الفضة لمستويات سعرية أساسية، دخل عامل إضافي على الخط، وهو التداول الآلي. فقد بدأت الأنظمة المبرمجة على البيع عند مستويات محددة بتنفيذ أوامرها تلقائيًا، ما أدى إلى تسريع الانهيار خلال فترة زمنية قصيرة، ووسّع نطاق الخسائر.
ماذا يعني كل ذلك؟
في المحصّلة، لم تنهَر الفضة بسبب تراجع في قيمتها الجوهرية، بل بسبب:
تراكم مراكز مضاربية كبيرة
انقلاب مفاجئ في التوقعات النقدية
موجة بيع جماعي في وقت واحد
وضغط تقني ناتج عن البيع القسري والتداول الآلي
ما حصل كان أزمة سيولة وذعر مؤقت، لا انهيارًا في أساسيات المعدن.
وماذا عن الذهب؟
في المقابل، تراجع الذهب أيضًا، ولكن بوتيرة أهدأ بكثير. فبخلاف الفضة، يتمتع الذهب بوضعية الملاذ الآمن، كما أنّ الطلب طويل الأمد عليه، ولا سيما من قبل البنوك المركزية، لا يزال قائمًا.
لذلك، يمكن وصف تراجع الذهب بأنه تصحيح طبيعي ضمن الاتجاه العام، وليس انعكاسًا لفقدان الثقة.
في النهاية، تكشف هذه التطورات أنّ:
الفضة كانت ضحية تفاعل سريع بين الذعر والمضاربات والبيع القسري
الذهب تأثّر بإعادة تسعير هادئة لتوقعات الفائدة
وعليه، فإن هبوط الفضة يعكس صدمة سوقية ظرفية، لا نهاية قصتها كأصل استثماري.

