كتبت الدكتورة ميراي زيادة- لم يعد لبنان في نظر باريس دولة تعاني أزمة، بل كيانًا يقترب من لحظة الانفجار. الفارق ليس لغويًا، بل وجودي. ما يُقرأ اليوم في العواصم المعنية، وخصوصًا في باريس، هو مشهد بلد تُستنزف عناصر بقائه واحدة تلو الأخرى، فيما يواصل الداخل التعامل مع الخطر وكأنه قابل للتأجيل.
التحرّك الفرنسي الأخير لم يكن زيارة مجاملة ولا جولة استطلاع. كان رسالة واضحة: لبنان خرج من مرحلة إدارة الأزمة ودخل مرحلة منع الانهيار. وكل من لا يزال يتصرّف بمنطق المناورة السياسية أو كسب الوقت، إما لا يرى الصورة كاملة، أو يختار تجاهلها.
الجنوب، رغم التقدّم الميداني، ليس مساحة استقرار بل بؤرة اشتعال مؤجّل. الاعتقاد بأن ضبط الميدان يعني ضبط الأزمة هو وهم خطِر. فجوهر المشكلة ليس عسكريًا، بل سياسي–استراتيجي، ويتصل بسلاح خارج منطق الدولة، وبقرار يتجاوز المؤسسات، وبمعادلة إقليمية لا مكان فيها لدولة ضعيفة أو منقسمة.
فرنسا تفهم حساسية المقاربة الرسمية القائمة، لكنها لا تخلط التفهّم بالتصديق. ما بعد جنوب الليطاني لن يكون مرحلة تقنية ولا إجراءً أمنيًا روتينيًا، بل اختبارًا سياسيًا قاسيًا. وأي خطأ في الحساب أو وهم بالقدرة على الاستمرار في المنطقة الرمادية قد يدفع البلد إلى انفجار داخلي لا يمكن احتواؤه.
أما «الميكانيزم» القائم، فلا يُنظر إليه كحل، بل كحاجز أخير قبل السقوط. قواعد اشتباك غير مكتوبة، هشّة بطبيعتها، لكنها أقل كلفة من فراغ أمني شامل. الواقعية هنا ليست خيارًا سياسيًا، بل حالة طوارئ.
النقاش حول الوجود الدولي في الجنوب بدوره تغيّر. لم يعد السؤال: هل تبقى هذه القوة أو ترحل؟ بل: هل الصيغة الحالية ما زالت صالحة أصلًا؟ في باريس، هناك قناعة بأن الجنوب يدخل مرحلة إعادة تعريف أمنية، وأن الاستمرار بالآليات نفسها لم يعد مضمون النتائج.
وسط هذا المشهد، يبرز الجيش اللبناني كآخر خط دفاع. ليس كرمز وطني فقط، بل كشرط بقاء الدولة. أي اهتزاز في قدرته على الصمود لا يعني ضعف مؤسسة، بل انهيار الهيكل كله. لذلك، تُقاس خطواته اليوم كاختبارات مصيرية، لا كإجراءات إدارية. ومن هنا، يأتي التردّد الدولي حيال الدعم السريع: المطلوب دعم طويل النفس، لأن سقوط الجيش يعني فتح أبواب الفوضى.
في موازاة الأمن، يبقى ملف الإصلاح الفاصل الحقيقي. لا دعم بلا إصلاحات، ولا إعادة إعمار بلا شفافية، ولا سيادة فعلية بلا عدالة مالية واجتماعية. كل محاولة للفصل بين هذه المسارات ليست حلًا، بل احتيال سياسي على الواقع.
رسائل باريس إلى الداخل اللبناني مباشرة وقاسية. القوى الممسكة بالسلاح مطالبة بقراءة الوقائع كما هي، لا كما ترغب أن تكون. والمراوحة لم تعد خيارًا. وفي المقابل، أوهام الحسم السريع لا تقل خطورة، لأن من يملك السلاح لن يتخلّى عنه بلا مقابل، مهما ارتفعت الأصوات.
دوليًا، تدرك فرنسا أن الدور الأميركي متقدّم، وأن هامشها يضيق. لكنها تعتبر أن الانكفاء الآن ليس حيادًا، بل انسحاب من معركة منع الانهيار في شرق متوسطي قابل للاشتعال.
الخلاصة واضحة ولا تحتمل التجميل:
لبنان أمام لحظة فاصلة.
إما قرارات صعبة الآن،
أو انهيار شامل لاحقًا.
ومن يظن أن الوقت لا يزال يعمل لصالحه، يغامر بالبلد كله.

