كتبت الدكتورة ميراي زيادة- في ظل جمود قنوات التواصل بين قصر بعبدا وحزب الله، تتقدّم المواجهة السياسية إلى مستوى جديد، يتجاوز الخلاف التقليدي إلى استهداف مباشر لموقع رئاسة الجمهورية ودور الرئيس جوزاف عون، في لحظة دقيقة داخليًا وإقليميًا.
فالتصعيد الأخير، سواء عبر تحركات محدودة في الشارع أو عبر حملات إعلامية ومنصات رقمية منظمة، لا يمكن فصله عن محاولة ضغط مركّبة على الرئاسة، تهدف إلى محاصرة خياراتها السياسية، والنيل من صدقية خطابها، ودفعها إلى التراجع عن مقاربة تعتبرها الدولة أساسية، ولا سيما في ما يتصل بملف السيادة وحصر السلاح ضمن الأطر الشرعية.
وفي هذا الإطار، يكتسب تحرّك الحزب باتجاه عين التينة دلالة خاصة. إذ عرض وفد من قيادته العسكرية أمام رئيس مجلس النواب نبيه بري قراءة تفصيلية لوضعه الميداني، مؤكدًا أن قدراته لا تزال متماسكة، في مسعى واضح لتعزيز موقعه التفاوضي واستمالة بري أكثر إلى رؤيته للمرحلة المقبلة، بالتوازي مع النقاش الدائر حول الانتقال إلى المرحلة الثانية من مقاربة ملف السلاح.
في المقابل، شكّل خطاب رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي محطة سياسية جامعة، حظيت بدعم قوى سياسية وازنة، في مقابل الهجوم الذي تعرّض له من جانب الحزب. فقد اعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن الخطاب كان «واضحًا ومسؤولًا»، داعيًا إلى الالتفاف حول البرنامج الرئاسي كمدخل فعلي لبناء الدولة. كما جدّد عضو اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور دعم اللقاء لمواقف الرئيس وجهوده في حماية لبنان.
وبموازاة هذا الاشتباك، تتعاظم مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية في مواكبة المرحلة. إذ يبرز بوضوح نشاط أبواق تحريضية معروفة المصدر، تسعى إلى العبث بالسلم الأهلي عبر ضخ خطاب متشنّج وسطحي في الإعلام ووسائل التواصل، بهدف خلق مناخ توتير تدريجي وتنامٍ شعبي سلبي.
إن التساهل مع هذا النوع من الخطاب، تحت عناوين فضفاضة لحرية التعبير، يشكّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار. فالديمقراطية، حين تُفرغ من ضوابطها وتُستخدم كغطاء للفوضى المعنوية والتجييش الغرائزي، تتحوّل من أداة تنظيم إلى عامل تقويض للسلم الأهلي.
من هنا، تقع على عاتق الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وبالتكامل مع القضاء، مسؤولية ضبط الإيقاع العام عبر التطبيق الصارم للقانون، لا من باب تقييد الحريات، بل من باب حماية المؤسسات الدستورية ومنع الانزلاق إلى الفتنة.
الخلاف السياسي قائم، وسقوفه لا تزال مضبوطة. لكن استهداف رئاسة الجمهورية، والتلاعب الواعي أو غير الواعي بالسلم الأهلي، يفرضان يقظة وطنية شاملة. فحماية الدولة اليوم ليست خيارًا سياسيًا، بل شرط بقاء.

