بقلم د. ميراي زيادة
على أساس سعر 4,300 دولار للأونصة
في ظل الأزمة المالية العميقة التي يعاني منها لبنان، ومع استنزاف معظم أدوات السياسة الاقتصادية التقليدية، يبرز احتياطي الذهب كأحد آخر الأصول السيادية القادرة على لعب دور تحفيزي فعلي في إعادة إطلاق الدورة الاقتصادية، شرط مقاربة هذا الملف بمنطق حذر، قانوني، وإنتاجي، بعيدًا عن خيار البيع المباشر أو الاستخدام العشوائي.
يمتلك لبنان احتياطي ذهب يُقدّر بنحو 286.8 طن، أي ما يعادل تقريبًا 9.22 ملايين أونصة.
وباعتماد سعر وسطي محافظ يبلغ 4,300 دولار للأونصة، تبلغ القيمة السوقية الإجمالية للاحتياطي نحو:
9.22 مليون × 4,300 ≈ 39.6 مليار دولار أميركي
أي أن الذهب اللبناني يشكّل رافعة سيادية تقارب 40 مليار دولار بالقيمة السوقية الحالية.
ويخضع هذا الاحتياطي لقيود قانونية صارمة، إذ لا يجوز التصرف به أو استخدامه إلا بموجب قانون خاص صادر عن مجلس النواب، مع ضرورة أن يكون أي استخدام محدودًا، مؤقتًا، وشفافًا.
بدل اللجوء إلى بيع الذهب، وهو خيار يُعد استنزافًا نهائيًا لأصل سيادي استراتيجي، تقوم المقاربة المقترحة على استخدام جزء محدود من الاحتياطي كضمان (Collateral) لإصدار سندات سيادية مدعومة بالذهب.
في هذا النموذج:
يبقى الذهب ملكًا كاملًا للدولة اللبنانية؛
لا يُباع ولا يُنقل؛
يُستخدم حصريًا لخفض مخاطر الإصدار وجذب التمويل بشروط أفضل.
رابعًا: هيكلية الإصدار – سيناريو محافظ
نسبة الذهب المستخدمة: نحو ثلث الاحتياطي
≈ 95 طن ≈ 3.05 ملايين أونصة
القيمة السوقية لهذا الجزء:
3.05 ملايين × 4,300 ≈ 13.1 مليار دولار
حجم الإصدار المقترح:
10 إلى 12 مليار دولار، مع هامش أمان مريح بين قيمة الضمان وقيمة السندات.
الشروط الافتراضية للسند:
المدة: 5 سنوات
الفائدة: 4–5% سنويًا
السداد: فوائد سنوية + أصل عند الاستحقاق
الجهة المصدرة: الدولة اللبنانية أو مصرف لبنان عبر كيان مستقل (SPV)
الاحتياطي المتبقي:
نحو 191 طنًا، بقيمة سوقية تقارب 26.5 مليار دولار، يبقى بمثابة درع سيادي طويل الأمد.
يُفترض تخصيص العائدات ضمن إطار واضح ومُسبق التحديد على النحو الآتي:
إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار – 4.5 مليارات دولار
بهدف استعادة الحد الأدنى من الملاءة، وإعادة تشغيل الائتمان المنتج، وحماية الودائع القابلة للحياة.
تسديد ودائع صغار المودعين (<100 ألف دولار) – 2.5 مليار دولار
تُسدّد على مرحلتين خلال السنتين الأولى والثانية، نقدًا جزئيًا وبأدوات مالية قصيرة الأجل، بما يحقق أثرًا نفسيًا واقتصاديًا مباشرًا على السوق.
تبلغ قيمة الودائع التي تقل عن 100 ألف دولار نحو 16 مليار دولار. وبافتراض تسديدها على مدى أربع سنوات، يتوجب ضخ ما يقارب 4 مليارات دولار سنويًا. ويُشكّل المبلغ المسدّد من خلال هذه الآلية (2.5 مليار دولار) دفعة أولى، على أن يُستكمل تسديد المبالغ المتبقية تدريجيًا بالتوازي مع تنفيذ الإصلاحات، وتحسن إيرادات الدولة والنشاط الاقتصادي.
تمويل مشاريع إنتاجية وبنى تحتية – 2.5 مليار دولار
في قطاعات الكهرباء، المياه، النقل، والاتصالات، مع التركيز على المشاريع ذات التدفقات النقدية الواضحة والقدرة على توليد إيرادات مستقبلية.
دعم مالي انتقالي للدولة – 1.0 مليار دولار
لتغطية الرواتب والخدمات الأساسية خلال المرحلة الانتقالية، وتخفيف الضغط عن الليرة والإنفاق غير المنظم.
احتياطي استقرار وطوارئ – 1.0 مليار دولار
لمواجهة تقلبات أسعار الذهب، أو الصدمات السياسية والمالية خلال السنوات الأولى.
الأثر الزمني المتوقع (خمس سنوات)
السنة الأولى: ضخ فوري للسيولة، بدء تسديد الودائع الصغيرة، وكسر حالة الجمود الاقتصادي.
السنة الثانية: تحسن الثقة المصرفية، عودة الإقراض المحدود، ونمو محتمل بين 3 و4%.
السنة الثالثة: بدء توليد إيرادات من المشاريع الممولة، تحسن الميزان الجاري، ونمو قد يصل إلى 5%.
السنة الرابعة: استقرار مالي نسبي، انخفاض العجز، وتعزيز الاحتياطات.
السنة الخامسة: سداد أو إعادة تمويل السندات، مع بقاء الذهب أصلًا سياديًا غير مُستنزف.
على أساس سعر 4,300 دولار للأونصة، يمتلك لبنان رافعة سيادية حقيقية تقارب 40 مليار دولار. إن استخدام 25–30% فقط من احتياطي الذهب كضمان يتيح تأمين 10–12 مليار دولار، وهي كافية لإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي منظم على مدى خمس سنوات، من دون التفريط بالأصل.
غير أن شرط النجاح الجوهري يبقى واحدًا:
قانون واضح، إدارة مستقلة، وربط صارم لاستخدام الذهب بالإصلاح والإنتاج، لا بسدّ العجز أو تأجيل الانهيار.

