بين الدولة والدويلة… وبين واشنطن واليرزة: كيف يحمي لبنان نفسه؟
بقلم د.ميراي زيادة
اليوم، وجد لبنان نفسه أمام تطوّر مفصلي أعاد فتح النقاش حول العلاقة مع الولايات المتحدة ودور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة. فقد قررت واشنطن إلغاء جميع مواعيد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بعدما اعتبرت أنّ بيان اليرزة الأخير لا يعكس التوجه السياسي الذي تنتظره من لبنان.
هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل جاءت كرسالة سياسية واضحة تقول إنّ مرحلة جديدة بدأت، وإنّ واشنطن تريد من بيروت خطابًا مختلفًا، وموقفًا أوضح، ورؤية أكثر انسجامًا مع مسار الدولة الواحدة والسلاح الواحد.
لكن قراءة هذا المشهد تتطلب رؤية شاملة تبدأ من فهم ما تريده واشنطن فعليًا، وتمرّ عبر موقع الجيش اللبناني داخل التوازنات الداخلية، وتنتهي عند صياغة موقف وطني يحافظ على السيادة ويحمي المؤسسة العسكرية في آن واحد.
لم يعد خافيًا أنّ الولايات المتحدة تتجه إلى مقاربة أكثر صرامة في لبنان.
فالملف الأمني لم يعد منفصلًا عن الملف السياسي، والبيان العسكري لم يعد يُقرأ كبيان ميداني فحسب، بل كإشارة مباشرة إلى موقف الدولة اللبنانية من سلاح حزب الله ودور الدولة في الجنوب.
واشنطن تُصرّ اليوم على ثلاث نقاط جوهرية:
- لا يمكن الاستمرار في دعم الجيش من دون موقف سياسي واضح.
بالنسبة للولايات المتحدة، لا يكفي أن يقوم الجيش بواجباته الميدانية؛ المطلوب خطاب يعكس التزامًا فعليًا بالدولة الواحدة.
- أي خطاب رسمي يُغفل دور حز/.ب الله يُعتبر انحيازًا إلى معادلة داخلية لا تتوافق مع التوجه الأميركي.
واشنطن تقرأ البيانات بدقة، وتعتبر كل كلمة مؤشرًا سياسيًا.
- مرحلة “التوضيحات” انتهت… وبدأت مرحلة “الشروط”.
المساعدات الأميركية، الاجتماعات، التعاون الأمني—كلها ستصبح مشروطة بلغة سياسية أكثر توازنًا وانسجامًا مع القرارين 1559 و1701.
لهذا، عندما جاء بيان القيادة مسمّيًا إسرائيل “عدوًا” ومتجاهلًا ذكر سلا/.ح حز/.ب الله، قرأت واشنطن ذلك على أنه استمرار في خطاب قديم لم يعد يناسب المرحلة الجديدة.
لكن الحقيقة التي يجب ألا يغفلها أحد لا في واشنطن ولا في الداخل هي أنّ الجيش اللبناني ليس اللاعب السياسي الذي يصوغ اتجاه البلاد.
الجيش:
ليس صاحب قرار الحرب والسلم
ولا يضع الاستراتيجية السياسية للدولة
ولا يملك حرية الحركة في ملف السلا/.ح
ويعمل وسط منظومة سياسية معقّدة تتجاوز صلاحياته وقدرته
وهنا تتضح الصورة أكثر: الجيش يتحرك ضمن الممكن لا ضمن المثالي، ضمن المتاح لا ضمن المتخيّل.
فالجيش ليس مسؤولًا عن تفكك دولة تراكمت أزماتها لعقود، ولا يمكن مطالبته اليوم بأن يقف وحده في مواجهة انهيارٍ صنعته السياسة، ثم يُطلب منه أن ينهض بالبلاد على رجليها بينما ما زالت مراكز القرار مشرذمة ومتناقضة.
وفوق ذلك، على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب أن يتحمّلوا مسئولياتهم الدستورية والسياسية كاملة تجاه البلاد، بدل أن يُترَك قائد الجيش في مهبّ الريح، وكأنهم ينظرون إليه وكأنه لم يكن جزءًا من مؤسسات الدولة التي يفترض أن يقودوها من موقع الشراكة لا من موقع الاستبدال أو التخلّي.
إن تحميل الجيش ما ليس من صلاحياته ولا من قدراته هو هروب سياسي لا يؤدي إلا إلى إضعاف آخر مؤسسة صلبة بقيت في هذا البلد.
ما جرى اليوم لا يمكن قراءته كصدام مباشر بين الولايات المتحدة والجيش، بل بين منظورين مختلفين:
واشنطن ترى أنّ كل كلمة في البيانات العسكرية هي انعكاس لموقف الدولة من سلاح حزب الله.
والجيش يرى أنّ بياناته عسكرية عملياتية، لا سياسية، ولا يمكن أن يدخل في سجالات ليست من اختصاصه.
هذا التباين الطبيعي تحوّل، في لحظة سياسية حساسة، إلى أزمة دبلوماسية لأن الأميركيين يريدون رسائل واضحة، بينما الواقع اللبناني ينتج رسائل محدودة الحركة.
لبنان يقف اليوم في مساحة رمادية بين ضغط خارجي كبير، وتوازن داخلي هش، ومؤسسة عسكرية تحاول أن تقوم بواجبها وسط معادلة شبه مستحيلة.
من هنا، يصبح خيار الحياد المسؤول الذي أدعو إليه ليس شعارًا بل مشروع إنقاذي:
حياد يعترف بالاعتداءات اليومية على السيادة
ويعترف أيضًا بأنّ سلا/.حًا خارج الدولة يمنع قيام دولة حقيقية
حياد يحمي الجيش من أن يُستعمل في صراعات ليست من صنعه
ويفتح الباب أمام علاقة واضحة مع واشنطن من دون الارتماء في أي محور
حياد يُعيد للدولة دورها، وللدستور قيمته، وللجيش موقعه الطبيعي كحامي للوطن لا كبديل عن السياسيين
إنّ لبنان لا يمكن أن ينهض بخطاب ازدواجي، ولا بتحميل الجيش ما فشلت السياسة في القيام به على مدى عقود.
لبنان يحتاج إلى خطاب جديد… يحمي الجيش ولا يهادن السلا/.ح غير الشرعي
ما حدث اليوم ليس عقابًا للجيش ولا استهدافًا لقائده، بل إعلانًا بأنّ العالم يراقب، وأنّ لبنان لم يعد قادرًا على السير بالمنطق القديم.
على اللبنانيين أن يفهموا أنّ:
واشنطن تريد دولة كاملة السيادة
الداخل يريد استقرارًا بلا سلا/.ح خارج الدولة
الجيش يريد المساحة ليحمي البلد
والوطن يحتاج إلى خطاب عقلاني يجمع بين السيادة والواقعية
ولذلك، فإن الموقف الذي يجب أن نتبناه اليوم هو:
“نقف مع الدولة لا الدويلة،
نقف مع الجيش لا على الجيش،
نؤمن بالحياد لا بالاصطفاف،
ونرفض استمرار أي سلاح خارج الشرعية،
دون أن نرمي المؤسسة العسكرية في معركة سياسية لم تختَرها.”
هكذا فقط نستطيع حماية لبنان…
وحماية الجيش…
وفتح باب السيادة من جديد.

