spot_img
الثلاثاء, أكتوبر 20, 2026

السّجون اللّبنانيّة: انتحار ووفيات.. وتدهور صحي غير مسبوق

الرئيسيةمحلياتالسّجون اللّبنانيّة: انتحار...

“المجرمون خارج السّجون وضحاياهم فيها”، “حاسبوا رياض سلامة ومن فجر المرفأ ثم حاسبونا”، “القضاء الذي لم يُطلق للآن حُكمًا عادلاً ومُعبرًا في ملف تفجير المرفأ، غير مؤهل للحكم بحقّ ما يناهز الخمسة عشر ألف سجين”. هذه العبارات وغيرها، عادةً ما تتصدر واجهة النقاشات والمطالبات المتعلقة بملف السّجون اللبنانيّة. وإن كانت هذه العبارات مبتذلة حدّ التكرار المُزمن، فإنها باتت تحمل جانبًا من الصوابيّة من العصيّ إنكاره. فإلى جانب الإهمال المقصود والشلّل المؤسساتي الذي جعل من السّجون اللبنانيّة، نموذجًا حيًّا للمجزرة الحقوقيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة التّي افتعلتها المنظومة اللبنانيّة طيلة السّنوات الماضيّة، فإنها باتت أيضًا مثار تساؤلٍ جوهري عن شرعيّة المنظومة بجسمها القضائي المشلول، وعجزها عن تحقيق العدالة والحكم باسم القانون.

واليوم وبعد أربع سنوات عن عمر الأزمة اللبنانيّة المستفحلة، ينفجر مجدّدًا ملف السّجون اللبنانيّة المكتظة والتّي لا تُراعي بديهيات الحقوق الإنسانيّة لنزلائها، متنازلةً عن غايتها الأساس في تأهيلهم، ذلك بنشر منظمة العفو الدوليّة تحقيقًا (بحوث خاصة بين أيلول 2022 ونيسان 2023) كشفت فيه عن وقائع صادمة وأرقاماً سلبيّة، وإهمالاً مقصودًا للسلطات، في وضع أي حلول ولو مؤقتة لتدارك الأزمة هذه. وقد عُنون التحقيق بالتالي: “بدلاً من أن يحظى بإعادة تأهيل، لقي حتفه: تضاعف عدد الوفيات في الحجز في خضم أزمة اقتصادية مستمرة منذ أربع سنوات”. وتضمن التقرير جوابًا من وزارة الداخليّة والبلديات ووزارة الصحّة العامة حول استفسارات المنظمة.

أرقام صادمة
وقد أكدّت المنظمة في تقريرها على أنه “يتعين على السّلطات اللبنانيّة أن تُعطي الأولوية بصورة مُلحّة لصحة السّجناء مع تضاعف عدد الوفيات في السّجون التي تديرها وزارة الداخلية، في عام 2022 مقارنةً بعام 2018.. وفي رسالة مؤرخة في كانون الثاني 2023، كشفت الوزارة أنه في عام 2022، وحده، توفي 34 شخصًا في مرافق الحجز التي تشمل السجون المركزيّة ومراكز الاحتجاز في قصور العدل ومخافر الشرطة، مقارنة بـ18 شخصًا في 2018 و14 شخصًا في 2015. وفي حين حين ازداد عدد نزلاء السجون من 9000 شخص في عام 2018 إلى 9500 في عام 2022، إلا أنه حسب الأرقام التي أطلعت قوى الأمن الداخلي منظمة وورلد بريزن بريف عليها، لا يمكن أن تفسر هذه الزيادة تضاعف عدد الوفيات في الحجز”.

وتابعت المنظمة: “ولم تشر وزارة الداخلية إذا كان أي من حالات الوفاة هذه قد صُنّف كوفيات غير طبيعية. ويمكن للوفاة في الحجز أن تكون مرتبطة بأسباب طبيعية، أو إهمال طبي، أو معاملة سيئة، أو تعذيب، وبناءً على الاحتجاج العام إثر وفاة رجلين في سجن رومية المركزي – أكبر سجن في لبنان – في آب 2022، كلف رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال وزارة الداخلية بإجراء تحقيق داخلي في القضية. ومن غير الواضح ما إذا كان التحقيق قد جرى من عدمه. وبالتالي، تقاعست السلطات اللبنانية عن إعلان النتائج التي توصلت إليها هذه التحقيقات”.

أما فيما يخص أزمة الاكتظاظ، فأشارت المنظمة إلى أن الأزمة ازدادت حدّتها نخلال الأزمة الاقتصادية. وتحتجز السجون في لبنان حاليا عددًا من الأشخاص يفوق طاقتها الاستيعابية بنسبة 323 بالمئة، وتُعزى الزيادة في الاكتظاظ منذ عام 2020 جزئيًا إلى عجز القضاء عن تسيير قضايا المحاكم، في ظل الإضرابات التي يُنفّذها العاملون في النظام القضائي في سياق الأزمة الاقتصادية. وتجدر الإشارة إلى أن 79.1 بالمئة من جميع المحتجزين في لبنان محبوسون حاليًا على ذمة التحقيق. وهي أعلى من نسبة الـ54 بالمئة التي سجلت عام 2017، وأعلى بكثير من المتوسط العالمي الذي يتراوح من 29 إلى 31 بالمئة. وقد أدى مزيج من الاكتظاظ الزائد وأوضاع الاحتجاز المزرية إلى تدهور صحة نزلاء السجون، ومن ضمن ذلك تفشي الأمراض الجلدية.

الأزمة الصحية
وإلى جانب أزمة الاكتظاظ المقيت بنسبة إشغال تتجاوز الحدود المعقولة، فقد علمت “المدن” بُعيد حديثها مع عدد من نزلاء سجن روميّة أن الأزمة الصحيّة قد استفحلت في غضون الأشهر الماضيّة بصورةٍ غير مسبوقة، من أمراض جرثومية كالكوليرا والتيفوئيد والتهابات جلديّة منتشرة، ولم يتم تحسين الظروف الصحيّة المتعلقة بالطعام والمياه الملوثة، هذا وناهيك عن انقطاع الكهرباء الدائم. يُقابل ذلك امتناع المستشفيات الحكوميّة والخاصة عن استقبال المرضى من النزلاء، وتقصير مصلحة الصحة في قوى الأمن الداخلي عن واجباتها في هذا الشّأن، فيما بات عبء الطبابة مرمي على كاهل العائلات لدفع تكاليف الطبابة لأقربائها في المستشفيات. وفي هذا السّياق أشارت منظمة العفو: “يُحتم على وزارة الصحة فرض تدابير تأديبية على المستشفيات التي ترفض على نحو غير قانوني تقديم العلاج لنزلاء السجون من دون الدفع مقدمًا”. خوصواً لكون قانون السّجون اللبناني ينصّ تحديدًا على أن وزارة الداخلية مسؤولة عن تقديم الرعاية الصحية لجميع الأشخاص الذين تحتجزهم.

وبين مناشدات أهالي الموقوفين والجمعيات الحقوقية والتخوف الرسمي من انفجار هذه الأزمة، والمطالبات المستمرة بتخفيض السنة السجنية لثلاث سنوات، فضلاً عن العفو العام، يعيش نزلاء السجون الخمسة وعشرين على امتداد الأراضي اللبنانية أفظع أشكال الإهمال والمظلومية التّي وصلت حدّ تضاعف أعداد الوفيات، وهنا تُشير نائبة رئيس تجمع أهالي الموقوفين في حديثها إلى “المدن” قائلةً: “تتعدد أسباب الوفيات في السّجون. وكما هو معلوم طبياً، فإن البيئة المحيطة بالمريض وظروف العناية الصحيحة وتأمين الاستشفاء اللازم هي أهم أسباب تعافي المريض. وكل ما سبق غير موجود، بل نقضيه التام هو السائد في سجون لبنان. العدوى الجلدية وغيرها من الأمراض المعدية تنتشر بين السجناء. والسبب واضح، الاكتظاظ وعدم توفر الرعاية الصحية اللازمة. والعنوان العام هو الإهمال الطبي (قبل المرض وبعده). فلا وجود لظروف صحية تؤمن الوقاية اللازمة من انتشارها من رعاية واهتمام بالنظافة والفحص الدوري للسجناء وتأمين ما يلزم”.

وتستطرد الصلح: “ومن ناحية أخرى فإن الضغط النفسي والضيق الشديد، تسببا لعدد من السجناء بأزمات قلبية وأمراض نفسية حادّة. ومنهم من انتحر نتيجة ذلك، وأنهى هذه المعاناة بنفسه. والسبب الرئيس لذلك الإهمال القانوني والتأخر في المحاكمات لسنوات. فهل يعقل أن يكون عدد من السجناء موقوفين في ملف ما يقارب 10 سنوات كاملة من دون محاكمة ومن دون لائحة اتهامية تحدد واقعهم الجرمي؟! والحلول العملية إما وقتية كاقتراح السنة السجنية وتخفيضها من 9 الى 6 أشهر، والتحديد المنصف للإعدام والمؤبد، وألا يحصل ظلم جديد لهم. وكذلك إنهاء التوقيف الاحتياطي بقرار يستند للمادة 108. لذلك، الحل اليوم ليس عند القضاء إنما عند مجلس الوزراء وعند مجلس النواب. والتأخر بالحل يزيد الأزمة يوماً بعد يوم”.

إذاً، بالرغم من كل الادعاءات التّي تجزم بأن مشكلة السجون هي مشكلة مركبة، فإن التقصير الرسمي بحقها خير دليل على التخاذل غير المبرر. فإن كانت السجون هي مراكز لتأهيل نزلائها بعقوبات عادلة ومعبرة، فإنها في لبنان باتت مرتعًا للظلم.. والموت أحياناً، على شاكلة باقي المرافق العامة التابعة للدولة اللبنانيّة المنكوبة.

Copyright © TOPSKY NEWS

إنذار غذائي في بيروت.....

إنذار غذائي في بيروت.. لحوم مذوّبة وملاحم تحت التدقيق! أفادت دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت...

فرنسا على صفيح ساخن… غضب الشارع يهدّد إرث ماكرون ويفتح الطريق أمام اليمين

تدخل فرنسا مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وتحول بعض شوارعها إلى ساحات مواجهات وأعمال تخريب ونهب، في مشهد يعكس عمق...

ترامب يمنح نتنياهو دعماً مطلقاً… والانتخابات الإسرائيلية تتحوّل إلى معركة على مستقبل إيران والمنطقة

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الانتخابات الإسرائيلية مجرّد استحقاق داخلي لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل باتت، في ضوء الدعم العلني الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد...

إنذار غذائي في بيروت.. لحوم مذوّبة وملاحم تحت التدقيق!

إنذار غذائي في بيروت.. لحوم مذوّبة وملاحم تحت التدقيق! أفادت دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت في بيان، ما يلي: "بناءً على توجيهات محافظ بيروت القاضي...

سقوط أكبر شبكة مخدّرات في لبنان

سقوط أكبر شبكة مخدّرات في لبنان في ختام مسار تحقيقات موسّع، علمت مصادر صحفية أنّ النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان، القاضي سامي صادر، وفي...

مرفأ بيروت يعود إلى الخريطة…...

تدخل خطة استعادة الدولة لمرافقها الحيوية مرحلة جديدة من بوابة مرفأ بيروت، مع إطلاق مشروع توسعة محطة الحاويات بهدف...

القرار الظني في قضية انفجار...

القرار الظني في قضية انفجار مرفأ بيروت قريباً! علمت "النهار" أن المحامي العام التمييزي القاضي محمّد صعب سيصدر مطالعته في...

بعد بيان عائلة سلامة عن...

بعد بيان عائلة سلامة عن وضعه الصحي.. النيابة العامة التمييزية ترد أصدرت النيابة العامة التمييزية البيان التالي ردًا على ما...

رياض سلامة حرًّا.. وبكفالة “خيالية”؟

رياض سلامة حرًّا.. وبكفالة "خيالية"؟ أفادت مراسة "الجديد" ان "الهيئة الاتهامية المكلفة برئاسة القاضي نسيب ايليا تصدر قرارًا باخلاء سبيل...

تركيا تدخل على خط الطاقة اللبنانية… وطرابلس أمام دور إقليمي جديد!

تركيا تدخل على خط الطاقة اللبنانية… وطرابلس أمام دور إقليمي جديد! هل تتحوّل طرابلس إلى بوابة جديدة لنقل النفط والكهرباء بين العراق وتركيا والبحر المتوسط؟ تتحرّك...

إسرائيل تطرح مشروع ربط كهربائي يصل إلى لبنان عبر سوريا!

إسرائيل تطرح مشروع ربط كهربائي يصل إلى لبنان عبر سوريا! من الكهرباء إلى النفوذ السياسي والأمني... هل تدخل إسرائيل إلى لبنان من بوابة الطاقة؟ تطرح دراسة...

المصارف اللبنانية تجمع الدولارات… ولكن أين أموال المودعين؟

المصارف اللبنانية تجمع الدولارات... ولكن أين أموال المودعين؟ أرقام جديدة تكشف مفارقة لافتة في القطاع المصرفي اللبناني: السيولة ترتفع، لكن الأزمة لا تزال على حالها! ارتفعت...

تركيا تدخل على خط الطاقة اللبنانية… وطرابلس أمام دور إقليمي جديد!

تركيا تدخل على خط الطاقة اللبنانية… وطرابلس أمام دور إقليمي جديد! هل تتحوّل طرابلس إلى بوابة جديدة لنقل النفط والكهرباء بين العراق وتركيا والبحر المتوسط؟ تتحرّك...

إسرائيل تطرح مشروع ربط كهربائي يصل إلى لبنان عبر سوريا!

إسرائيل تطرح مشروع ربط كهربائي يصل إلى لبنان عبر سوريا! من الكهرباء إلى النفوذ السياسي والأمني... هل تدخل إسرائيل إلى لبنان من بوابة الطاقة؟ تطرح دراسة...

المصارف اللبنانية تجمع الدولارات… ولكن أين أموال المودعين؟

المصارف اللبنانية تجمع الدولارات... ولكن أين أموال المودعين؟ أرقام جديدة تكشف مفارقة لافتة في القطاع المصرفي اللبناني: السيولة ترتفع، لكن الأزمة لا تزال على حالها! ارتفعت...

لبنان يشتعل غلاءً… والأسعار ترتفع ولا تنخفض!

لبنان يشتعل غلاءً… والأسعار ترتفع ولا تنخفض! لم تعد أزمة الغلاء في لبنان مرتبطة فقط بارتفاع أسعار النفط، بل باتت نتيجة مجموعة أزمات خارجية وداخلية...

سوق السيارات في لبنان ينهار… والتجار يستهلكون رؤوس أموالهم!

سوق السيارات في لبنان ينهار… والتجار يستهلكون رؤوس أموالهم! يدخل قطاع السيارات المستعملة في لبنان مرحلة انكماش حاد، بعدما تراجعت أعداد السيارات المستوردة من نحو...

الجنوب أمام «الضمّ الصامت»… والخطر يتجاوز الشيعة إلى صيغة لبنان

تتزايد المخاوف من أن يكون السيناريو الأخطر في جنوب لبنان ليس إعلان إسرائيل ضمّ أراضٍ لبنانية رسمياً، على غرار ما فعلته في الجولان عام...