تتزايد المخاوف من أن يكون السيناريو الأخطر في جنوب لبنان ليس إعلان إسرائيل ضمّ أراضٍ لبنانية رسمياً، على غرار ما فعلته في الجولان عام 1981، بل تكريس احتلال أمني مفتوح يحوّل مناطق حدودية إلى أمر واقع إسرائيلي من دون إعلان الضمّ.
وبحسب قراءة سياسية للمرحلة، فإن الكثافة السكانية في الجنوب وارتباطه العضوي بالدولة اللبنانية، إضافة إلى القرارات الدولية التي تحكم وضعه، تجعل الضمّ الرسمي مكلفاً لإسرائيل سياسياً وأمنياً. لذلك، قد يكون الخيار الأكثر قابلية للتطبيق هو إنشاء مناطق عازلة، وتفريغ بعض القرى الحدودية، وفرض حرية حركة عسكرية إسرائيلية دائمة، بما يؤدي تدريجياً إلى ضمّ بحكم الأمر الواقع من دون ضمّ قانوني معلن.
وهنا تكمن الخطورة: الأمر الواقع قد يتقدم تدريجياً من دون أن يثير ردّ الفعل الدولي الذي يمكن أن يولّده إعلان رسمي عن اقتطاع أراضٍ لبنانية.
وفي الداخل، لا تقتصر تداعيات هذا السيناريو على الجغرافيا. فإذا ترسّخ لدى البيئة الشيعية شعور بأن الدولة غير قادرة على حماية الأرض وإعادة السكان إلى قراهم، فقد تتراجع الثقة بالدولة لمصلحة منطق «الحماية الذاتية»، بما يفتح الباب أمام خطاب الكانتونات والفيدرالية والتقوقع الطائفي.
لكن المفارقة أن أي كيان شيعي أو جنوبي منفصل لن يشكّل مكسباً للشيعة، بل قد يحوّلهم من شريك أساسي في الدولة اللبنانية إلى جيب جغرافي محاصر، محدود الموارد، ومفتوح على مواجهة دائمة مع إسرائيل.
لذلك، فإن المعركة الأساسية ليست على «حصة الشيعة» بعد الحرب، بل على إعادة تثبيت الجنوب كقضية سيادية لبنانية جامعة، ومنع تحويل الاحتلال إلى ملف طائفي.
فالجنوب ليس ملفاً شيعياً. من رميش وعين إبل إلى مرجعيون وحاصبيا وشبعا، تتداخل الجغرافيا والطوائف والمصالح، وأي تصوير للصراع على أنه مواجهة بين إسرائيل والشيعة يمنح إسرائيل فرصة خطيرة لفصل قضية الجنوب عن القضية الوطنية اللبنانية.
وتشير هذه القراءة إلى أن المواجهة السياسية المطلوبة تقوم على معادلة متزامنة: جيش لبناني قادر على الإمساك بالأرض، حصرية السلاح بيد الدولة، انسحاب إسرائيلي مجدول بضمانات دولية، تثبيت الحدود، وعودة السكان عبر خطة إعمار عربية ودولية سريعة.
فالعودة إلى القرى ليست مجرد ملف إعمار، بل عنصر سيادي وأمني: كل قرية تبقى مأهولة تصعّب القضم، وكل قرية تُفرّغ لفترة طويلة تجعل تثبيت الأمر الواقع أسهل.
أما سياسياً، فالمطلوب ضمان عدم عزل الشيعة أو تحميلهم وحدهم كلفة الحرب، مقابل تثبيت خيار الدولة الواحدة والجيش الواحد والقرار العسكري الواحد.
الخطر الذي يجب أن يستعد له لبنان ليس بالضرورة إعلان إسرائيل «ضمّ الجنوب»، بل أن يستيقظ بعد سنوات ليجد أن مناطق منه أصبحت تحت سيطرة إسرائيلية دائمة من دون أن يصدر قرار ضمّ واحد.
المعركة، إذاً، هي منع «الضمّ الصامت» قبل أن يتحول الأمر الواقع إلى واقع يصعب تغييره.

