لم يعد الطعن الذي قدّمه رئيس الجمهورية جوزاف عون بالمادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف مجرد مسألة قانونية، بعدما تحوّل سريعًا إلى مواجهة سياسية عنوانها: هل يعطّل رئيس الجمهورية الإصلاح المصرفي، أم أن الطعن كشف خلافًا أعمق حول شكل النظام المالي المقبل في لبنان؟
وفق معطيات متقاطعة، فإن بعبدا لم تتجه إلى إسقاط القانون أو إعادته برمته إلى نقطة الصفر. الفريق القانوني في رئاسة الجمهورية أوصى بإصدار القانون والطعن بمادة واحدة فقط، بعدما رصد اختلافًا بين المشروع الذي كانت قد أعدته حكومة نجيب ميقاتي بالتنسيق آنذاك مع صندوق النقد الدولي، وبين النص الذي أقره مجلس النواب.
بيت القصيد يكمن في عبارة كانت موجودة في المشروع الأساسي وتنص على «مراعاة قانون النقد والتسليف ولا سيما المادة 70 منه»، قبل أن تغيب عن الصيغة النهائية.
وهنا بدأ السؤال الحقيقي داخل الدوائر القانونية والسياسية: لماذا حُذفت هذه الإشارة؟ وهل حذفها مجرد تعديل تشريعي، أم أنه يفتح الباب أمام إعادة رسم الصلاحيات داخل المنظومة النقدية والمصرفية؟
مصادر متابعة تعتبر أن الحملة التي استهدفت رئيس الجمهورية حاولت نقل النقاش من مضمون الطعن إلى نواياه، وصولًا إلى اتهامه بعرقلة الإصلاح ورد أموال المودعين. إلا أن ملف الودائع والخسائر لا يُحسم أساسًا في قانون إعادة هيكلة المصارف وحده، بل يرتبط بصورة مباشرة بقانون الانتظام المالي واستعادة الودائع والتشريعات المكملة له.
أما النقطة التي يمكن مناقشتها بجدية، فهي توقيت الطعن، ولا سيما في ظل التزامات لبنان أمام صندوق النقد الدولي والمواعيد المرتبطة بإقرار الإصلاحات المالية والمصرفية. لكن مصادر معنية تميّز بين الكلفة التفاوضية المحتملة للطعن وبين حق رئيس الجمهورية الدستوري في اللجوء إلى المجلس الدستوري.
واللافت أن رئيس الحكومة نواف سلام، بحسب المعطيات المتداولة، لم يتعامل مع الخطوة على أنها تدخل في صلاحيات الحكومة، ولم يطلب من رئيس الجمهورية التراجع عنها.
لكن خلف السجال القانوني تبرز مسألة أكثر حساسية: صلاحيات حاكم مصرف لبنان وموقعه داخل النظام الرقابي الجديد. فالمخاوف من منح الحاكم نفوذًا ماليًا واسعًا لا تُعالج، وفق هذا المنطق، بحذف مرجعية قانون النقد والتسليف من مادة واحدة، بل عبر تعديل القانون نفسه وتحديد الصلاحيات بوضوح.
الأخطر سياسيًا
مصادر متابعة لا تستبعد أن يكون الخلاف حول العبارة المحذوفة انعكاسًا لمعركة أوسع على إعادة توزيع النفوذ داخل النظام المالي اللبناني، وسط تساؤلات عن الجهات التي دفعت باتجاه الصيغة النهائية للمادة الثالثة، وما إذا كانت هناك بصمات سياسية، بينها بصمة محتملة لـ«حزب الله»، وراء هذا التعديل.
وبذلك، قد لا تكون المعركة الحقيقية حول طعن رئاسي بمادة قانونية، بل حول سؤال أكبر بكثير:
من سيرسم قواعد النظام المالي اللبناني في المرحلة المقبلة، ومن سيمسك بمفاتيح القرار النقدي والرقابي في حقبة ما بعد السلاح؟
وهنا تحديدًا ينتقل الملف من إعادة هيكلة المصارف إلى إعادة هيكلة النفوذ داخل الدولة.

