تدخل المقاربة الأميركية للملف اللبناني مرحلة أكثر حذراً وتشددًا: واشنطن لا تتجه إلى إسقاط الدولة، لكنها لم تعد مستعدة لمنحها دعماً مفتوحاً من دون نتائج قابلة للقياس على الأرض.
وبحسب المعطيات المتقاطعة، يتحول التركيز الأميركي تدريجياً من التعهدات السياسية إلى اختبار التنفيذ: انتشار فعلي للجيش، حصر السلاح بيد الدولة، تفكيك البنى العسكرية الخارجة عن سلطتها، ومنع إعادة تكوين قدرات حزب الله في المناطق التي تنتقل إلى سيطرة المؤسسات الشرعية.
هذه المقاربة برزت بصورة أوضح بعد اجتماع باريس في 17 أيلول، الذي ركّز على تعزيز قدرات الجيش اللبناني والتحضير لمرحلة ما بعد اليونيفيل. فالدعم الدولي للجيش لم يعد يُطرح فقط باعتباره مساعدة لمؤسسة عسكرية تعاني أزمة مالية ولوجستية، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها.
معادلة جديدة: ماذا فعلتم على الأرض؟
جوهر التحول أن واشنطن تريد الانتقال من لغة النوايا إلى لغة النتائج.
فالاتفاق الإطاري الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية يربط، وفق التقارير المتاحة، بين تقدم انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح المجموعات غير الحكومية وبين إعادة الانتشار أو الانسحاب الإسرائيلي التدريجي. إلا أن التنفيذ تعثر، فيما بقي الخلاف قائماً حول ترتيب الخطوات ومن يبدأ أولاً.
وهنا تبرز العقدة الأساسية: بيروت تتمسك بضرورة وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي بما يسمح للدولة بتوسيع انتشارها، بينما تعتبر إسرائيل أن الانسحاب لا يمكن أن يسبق ضمان عدم عودة حزب الله عسكرياً إلى المناطق التي تنسحب منها.
أما واشنطن، فتبدو أقرب إلى البحث عن تزامن قابل للتحقق بين المسارين بدلاً من منح أي طرف شيكاً على بياض.
الجيش في قلب الاختبار
وهذا ما يعطي مؤتمر باريس أهمية تتجاوز مسألة التمويل.
فالجيش اللبناني أصبح عملياً في قلب المعادلة الدولية الجديدة: المجتمعون ناقشوا احتياجاته، خطط انتشاره، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل. كما أن المؤتمر الدولي الأوسع لدعم الجيش ما زال مطروحاً للمرحلة المقبلة.
لكن المفارقة واضحة: كلما ارتفع سقف المهمة المطلوبة من الجيش، ارتفع أيضاً سقف التدقيق الدولي في أدائه.
وهنا تحديداً يمكن قراءة الحذر الأميركي الجديد. المطلوب لم يعد مجرد رفع عدد الجنود أو إقامة نقاط عسكرية، بل إثبات أن المناطق التي تنتقل إلى سلطة الدولة لا تتحول لاحقاً إلى مساحة لإعادة بناء بنى عسكرية خارج سيطرتها.
لا حرب على الدولة… ولا غطاء مفتوح لها
في المقابل، لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن واشنطن تريد انهيار الدولة اللبنانية أو إضعاف الجيش. العكس هو الأقرب: الولايات المتحدة شاركت في اجتماع باريس، فيما يتركز المسار الدولي على تقوية المؤسسة العسكرية وتجهيزها للانتشار وتحمل مسؤوليات أكبر.
ومن هنا يمكن اختصار المقاربة الأميركية الجديدة بمعادلة دقيقة:
دعم الدولة، ولكن مقابل دولة تمارس سلطتها فعلياً.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تُقاس بعدد البيانات والالتزامات السياسية الصادرة من بيروت، بل بما يحدث فعلياً في الجنوب: أين ينتشر الجيش؟ ماذا يصادر؟ ما البنى التي يفككها؟ وهل يستطيع منع إعادة تكوين بنية عسكرية موازية بعد أي انسحاب إسرائيلي؟
الأخطر: لبنان يدخل مرحلة «الاختبار»
المشكلة بالنسبة إلى بيروت أن هامش المناورة يضيق.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تتقاطعان عند الهدف النهائي المتعلق بنزع سلاح حزب الله وتعزيز سلطة الجيش، لكنهما لا تتطابقان بالضرورة في الوسائل أو مستوى استخدام القوة. وفي الوقت نفسه، يتمسك الرئيس جوزف عون بمسار نزع السلاح من دون انزلاق إلى مواجهة داخلية، بالتوازي مع المطالبة بانسحاب إسرائيل ووقف عملياتها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أبعد من الجنوب:
هل تستطيع الدولة اللبنانية تحويل حصرية السلاح من موقف سياسي إلى واقع ميداني من دون تفجير الداخل؟
لأن واشنطن، في المقاربة التي تتبلور، لا تبدو مستعدة لانتظار مسار مفتوح بلا سقف زمني، فيما لبنان لا يستطيع تحمّل مواجهة داخلية مفتوحة.
وبين الاثنين، يدخل الجيش اللبناني المرحلة الأصعب: أن يثبت سيادة الدولة من دون أن يتحول إلى طرف في حرب أهلية، وأن يقنع الخارج بأن انتشاره ليس رمزياً، بل بداية فعلية لإنهاء ثنائية الدولة والسلاح.
وهنا تحديداً قد تكون القاعدة الأميركية الجديدة تجاه لبنان:
الأموال والدعم والانسحاب الإسرائيلي لن ترتبط بعد اليوم بالوعود وحدها… بل بما تستطيع الدولة إثباته على الأرض.

