مع بدء العدّ العكسي لانتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان «اليونيفيل» في 31 كانون الأول، ينتقل ملف الجنوب إلى مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: من سيملأ الفراغ الدولي بعد رحيل القوات الأممية، وبأي مهمة وصلاحيات؟
لبنان يتمسك ببقاء حضور دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، انطلاقاً من أن الظروف الميدانية لم تسمح بعد بإنهاء الحاجة إلى قوة دولية، خصوصاً مع استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق حدودية، بالتوازي مع مسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية.
لكن هذا الخيار يصطدم، وفق معطيات دبلوماسية، بموقف أميركي–إسرائيلي لا يتحمس لإعادة إنتاج «اليونيفيل» بصيغتها الحالية. وتقوم المقاربة الأميركية على أن تجربة القوة الدولية لم تنجح في منع إعادة بناء البنية العسكرية لـ«حزب الله» في الجنوب بعد حرب 2006، ما يدفع واشنطن إلى البحث عن قوة أكثر فاعلية وصلاحيات أوسع في أي ترتيبات أمنية جديدة.
ومن هنا، تبرز عدة سيناريوهات مطروحة لمرحلة ما بعد «اليونيفيل»، أبرزها تشكيل قوة متعددة الجنسيات بقيادة أو إشراف أميركي، أو إنشاء قوة ذات غالبية أوروبية تعمل ضمن صيغة جديدة مرتبطة بالترتيبات السياسية والأمنية بين لبنان وإسرائيل.
في المقابل، تتحرك فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا للحفاظ على حضور أوروبي في جنوب لبنان. وتدور أفكار حول قوة أوروبية قد يصل قوامها إلى نحو خمسة آلاف عنصر، تعمل بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني، مع انتقال دورها من مفهوم «حفظ السلام» التقليدي إلى تدريب الجيش وتجهيزه ومساندته في تثبيت سلطته جنوباً.
أما السيناريو الأكثر تقدماً، فيقوم على إنشاء قوة دولية متعددة الجنسيات تكون نواتها أوروبية، مع إمكانية مشاركة دول عربية وإسلامية، وتحظى بصلاحيات أوسع من تلك التي مُنحت لـ«اليونيفيل»، بما يجعلها أقرب إلى قوة ردع ومراقبة لتنفيذ أي اتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل.
وتدفع باريس باتجاه هذا الخيار للحفاظ على دورها في لبنان وشرق المتوسط، إلا أن نجاحه يبقى مرتبطاً بموافقة أميركية وبالتطور الذي ستبلغه المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية.
وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت «اليونيفيل» ستغادر، بل أي قوة ستأتي بعدها، ومن سيقودها، وما حدود صلاحياتها؟
فالمرحلة المقبلة قد تشهد انتقال الجنوب من نموذج «قوات حفظ السلام» الذي حكمه منذ عام 1978، إلى ترتيب أمني دولي جديد مرتبط مباشرة بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل ودور الجيش اللبناني جنوباً.

