لم تعد الجبهة اليمنية مجرد مواجهة بين الحوثيين والقوات الحكومية، بل تحوّلت إلى اختبار إقليمي واسع قد يكشف حدود التحالفات والتفاهمات الجديدة في المنطقة.
تقدّم الحوثيين باتجاه باب المندب وتصاعد المواجهة مع السعودية وضعا الرياض أمام معادلة مختلفة: التهديد لم يعد محصوراً بالحدود اليمنية، بل بات يلامس أمن المملكة ومنشآتها الحيوية وأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن هنا يبدأ الاختبار الأول: اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان.
فإذا كان الاتفاق يقوم على مبدأ الدفاع المشترك، فإن التصعيد الحوثي يطرح السؤال العملي الأول: إلى أي مدى تذهب أنقرة وإسلام آباد في دعم الرياض إذا توسعت المواجهة؟
المسألة لا تتعلق بإعلان التضامن فقط، بل بقدرة الدول الثلاث على الانتقال إلى تنسيق عسكري واستخباراتي وعملياتي فعلي. وبالتالي، قد يكون اليمن أول امتحان يكشف ما إذا كان اتفاق مكة نواة لتحالف أمني حقيقي، أم إطاراً سياسياً لا يزال بحاجة إلى آليات تنفيذية.
لكن الاختبار الثاني ربما يكون أكثر حساسية: اتفاق بكين بين السعودية وإيران.
فعودة العلاقات بين الرياض وطهران قامت، من بين أسسها، على احترام السيادة وعدم التدخل. ومع استمرار الدعم الإيراني للحوثيين، يصبح السؤال السعودي أكثر إلحاحاً: هل تستطيع طهران استخدام نفوذها لمنع الحوثيين من تحويل اليمن وباب المندب إلى جبهة ضغط على المملكة؟
وهنا تدخل الصين بدورها إلى دائرة الاختبار.
بكين التي رعت المصالحة السعودية–الإيرانية تجد نفسها أمام تحدٍ يتجاوز إعادة العلاقات الدبلوماسية: هل تستطيع حماية التفاهم عندما تصطدم مصالح الطرفين على الأرض؟
الأخطر أن ما يجري يتجاوز اليمن نفسه. فمع تصاعد التوتر في هرمز وباب المندب، تبرز ملامح ما يمكن وصفه بـ«حرب المضائق»، حيث تتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وعليه، فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون فقط على باب المندب، بل على شكل النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط:
هل تنجح السعودية في بناء شبكة أمنية أكثر تنوعاً مع تركيا وباكستان، بالتوازي مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً مع إيران والصين؟
وهل تصمد الاتفاقات الجديدة عندما تنتقل من طاولات التوقيع إلى ساحات المواجهة؟
باب المندب اليوم لا يختبر السعودية والحوثيين فقط… بل يختبر اتفاق مكة، واتفاق بكين، وحدود النفوذ الإيراني، وقدرة الصين على حماية التسويات التي رعتها.

