لا تبدو الاعتراضات الإسرائيلية المتكررة على أداء الجيش اللبناني جنوباً مجرد ملاحظات عسكرية عابرة. فالمعطيات المتداولة حول اجتماعات روما، وما سبقها من رسائل في واشنطن، تفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل تعمل إسرائيل على بناء «مسار اتهامي» ضد الجيش وقيادته، يمكن استخدامه لاحقاً لتبرير استمرار حرية حركتها العسكرية داخل لبنان؟
مصادر مواكبة لاجتماعات روما تتحدث عن اختلاف جوهري في تعريف «المناطق التجريبية». فبيروت تنظر إليها باعتبارها نموذجاً يقوم على معادلة واضحة: يتقدم الجيش اللبناني، وتتراجع القوات الإسرائيلية تدريجياً. أما المقاربة الإسرائيلية فتبدو مختلفة، إذ تضع أولوية لما تسميه ضمان «البيئة الأمنية» وإزالة أي تهديد قبل توسيع انتشار الجيش اللبناني.
هنا تحديداً تبرز خطورة الاتهامات الإسرائيلية المتكررة للجيش بالتساهل مع حزب الله، وهي اتهامات ترفضها بيروت. فالمسألة قد تتجاوز التشكيك بأداء وحدات عسكرية محددة، لتتحول إلى ورقة تفاوضية تسمح لإسرائيل بالقول إن شروط الانسحاب لم تتحقق بعد، وبالتالي إبقاء قرارها الميداني قائماً جنوباً.
حادثة دير ميماس في 18 أيلول رفعت مستوى هذا الخطاب. فبعد إطلاق الجنود الإسرائيليين النار باتجاه نقطة يوجد فيها عناصر من الجيش اللبناني، ذهب مركز «ألما» الإسرائيلي إلى التركيز على الهوية الطائفية والمناطقية لقائد الموقع محمد نبيه ناصر الدين، وربط انتماءه إلى الطائفة الشيعية ومنطقة الهرمل بحزب الله، قبل أن يوسّع اتهاماته لتشمل ضباطاً شيعة داخل المؤسسة العسكرية.
وهذا المنحى يطرح إشكالية تتجاوز الحادثة نفسها: الانتقال من مساءلة أداء الجيش إلى التشكيك بضباطه انطلاقاً من هويتهم الطائفية، بما قد يفتح الباب أمام محاولة فرز داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية وفق الانتماء المذهبي.
والأمر لا يبدأ من دير ميماس. ففي تموز 2026، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن إسرائيل سلّمت السلطات اللبنانية، عبر الوسيط الأميركي، قائمة بأسماء ضباط كبار في الجيش تعترض على وجودهم في جنوب لبنان.
إذا جُمعت هذه المؤشرات معاً، يصبح السؤال في روما أبعد من انتشار الجيش في هذه النقطة أو تلك: هل يجري إعداد ملف سياسي وأمني إسرائيلي يضع الجيش اللبناني نفسه تحت الاختبار، بحيث يصبح كل خلاف ميداني دليلاً إضافياً تستخدمه تل أبيب لتأخير الانسحاب أو تقييد الانتشار اللبناني؟
المفارقة أن بيروت تتمسك بمعادلة معاكسة تماماً: لا يمكن مطالبة الجيش ببسط سلطته كاملة فيما تستمر إسرائيل في الاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية وتنفيذ عمليات عسكرية.
وهكذا قد تصبح «المناطق التجريبية» ساحة اختبار لمعادلتين متناقضتين: لبنان يريد انتشار الجيش مدخلاً للانسحاب الإسرائيلي، فيما تريد إسرائيل تحقيق شروطها الأمنية أولاً قبل الانسحاب.
وبين المعادلتين، يدخل الجيش اللبناني نفسه إلى قلب المواجهة السياسية والتفاوضية.

